(ليلا) معلوم أن السري لا يكون إلا بالليل، ولكنه ذكر هنا (ليلا) على سبيل التأكيد، وكذلك للتظليل والتصوير، على طريقة القرآن الكريم، فيلقى ظل الليل الساكن، ويخيم ليله الساجي على النفس وهي تتملى حركة الإسراء اللطيفة وتتابعها.
والتنكير في (ليلًا) يدل على تقليل مدة الإسراء، وأنه أُسريَ به في بعض أجزاء الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وهذا أدلّ على القدرة.
(الأقصى) سميَ المسجد الأقصى بذلك؛ إذ لم يكن حينئذٍ وراءه مسجد، والمقصد ظهار العجب في الإسراء إلى هذا البُعد في ليلة.
(الذي باركنا حوله) : صفة مدح، إطلاق البركة وعدم تقييدها يدل على العموم، فهي بركة دنيوية من كثرة الأشجار والأنهار وطيب الأرض، وبركته بما خُصّ به من الخيرات الدينية كالنبوة والشرائع والرسل الذين كانوا في نواحيه ... فالبركة عامة، إن هذه البركة فيها من الأنهار وفيها من الثمار ووطئ علي ثراها خيره الأنباء والمرسلين ثم الصالحين من بعدهم والمرابطين {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (الأعراف: 137) ، {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 71) ، أكثر من موضع في القرآن يدل علي أن هذا المكان فيه بركه {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (المائدة: 21) .
الحكمة من الرحلة ... ! لماذا؟ لنريه من آياتنا .. ! رآها محمد - صلى الله عليه وسلم - لذا يجب أن يعيها أتباعه ويعلموها جيدا، في الطريق تعددت المشاهد وفي هذا المشهد تظهر امرأة جميلة متبرّجة بكل أنواع الزينة، حاسرة على ذراعيها تنادي: يا محمد انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها - صلى الله عليه وسلم -، ثم سار عليه السلام ما شاء الله له أن يسير، فقال جبريل للرسول: أما سمعت شيئا في الطريق؟
فقال عليه السلام:"بينما أنا أسير إذا بامرأة حاسرة على ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول: يا محمد انظرني أسألك! فلم أجبها، ولم أقم عليها قال جبريل: تلك الدنيا، أما أنك لو أجبتها،"