الصفحة 23 من 40

الفصل الثالث

هدية السماء في ليلة الإسراء

الصلاة صلة الأرض بالسماء، صلة المخلوق بالخالق، صلة المرزوق بالرازق، صلة المسلم بربه، صلة العبودية الحقة، التي تقوم علي إفراد العبادة لله وإخلاص الدين لله و حده لا شريك له، والاعتقاد بأنه رب العالمين، وانه الإله الحق، الذي يخلق ويرزق، ينفع ويضر، يحي ويميت، يعز ويزل، لا اله غيره، تعنوا له الوجوه، وتخشع له القلوب، وتتوجه له الأنفس، صلة مباشرة بين العبد وربه، لا سلطان لأحد عليها ولا وساطة لأحد فيها، إذا توطدت وتعمقت، كان أول مظاهرها عند العبد إلا يذل إلا لله، ولا يستعن إلا بالله، ولا يتوجه إلا لله، ولا يعمل إلا ابتغاء مرضات الله.

عندما انتهى - ? - من اللقاء الإلهيّ مرّ في طريقه بموسى عليه السلام، فلما رآه سأله: بم أمرك؟ فقال له: بخمسين صلاة كل يوم، فقال موسى عليه السلام: أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - - إلى ربّه يستأذنه في التخفيف فأسقط عنه بعض الصلوات، فرجع إلى موسى عليه السلام وأخبره، فأشار عليه بالعودة وطلب التخفيف مرّةً أخرى، وتكرّر المشهد عدّة مرّات حتى وصل العدد إلى خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، واستحى النبي - - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربّه أكثر من ذلك، ثم أمضى الله عزّ وجل الأمر بهذه الصلوات وجعلها بأجر خمسين صلاة.

الصلاة هدية السماء لأهل الأرض، التي فُرِضت في تلك الليلة العظيمة، نحن نعلم في عصرنا أن الدولة حينما تريد أمرًا مهمًا تبلغه سفيرها، ولا تكتفي بأن ترسل إليه رسالة في الحقيبة الدبلوماسية، إنما تستدعي السفير ليحضر بنفسه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو سفير الله إلى خلقه ولله المثل الأعلى، فالله استدعى سفيره إلى خلقه وأُسري به ثم عُرِج به إلى سدرت المنتهى، وهناك فُرِضت عليه هذه الصلوات الخمس.

فكل العبادات فُرِضت في الأرض إلا الصلاة فرضت في السماء لتكون معراجا بالناس كلما تدلت بهم شهواتهم ونزواتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت