النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام حوصر من قبل المشركين ثلاثة أعوام في شعب بني طالب، لا يجدون ما يأكلون، لايباع لهم ولا يبيعون، لا يزورهم احد ولا يزورون، لا يزوجهم احد ولا يزوجون، حتى أكلوا أوراق الشجر، وما أشبه الليلة بالبارحة، هم هم المحاصَرون، وهم هم المحاصِرون، وهوهو نفس الصراع، وهوهو ذات الطريق، طريق الدعوات، حصار قديم في الجزيرة بجوار المسجد الحرام وأخر جديد في غزة بجوار المسجد الاقصي، عدو قديم يمتلك بعض إفراده مروءة ونخوة - الذين فكوا الحصار علي راسم عمرو بن هشام والطعم بن عدي- وعدو جديد لا يمتلك إلا الظلم والقسوة، حصار استغرق ثلاث سنوات، وأخر بقي نصف عقد من الزمن، لكن بدأت بوادر فكه تلوح في الآفاق (1431 هـ-2010 م) علي أيدي المخلصين من الأمة، وهل المروءة وأصحاب النخوة من غير المسلمين (الأسطول العملاق بين الإنسانية المفقودة والحرية المولودة) ، اللهم فك حصار المرابطين في غزة، اللهم فض قيدهم، ووحد صفهم واجمع كلمتهم ودبر لهم وانتقم ممن حاصرهم، اجعل تدبير من حاصرهم في تدميره.
انه ذاته الطريق لأهل التقوى والصلاح، الصالحين في أنفسهم، المصلحين لغيرهم، والقابض علي دينه، الملتزم بإسلامه، لابد أن يطارد، لابد أن يحاصر، وهذه علامات الصدق، وإشارات الفلاح، وأسس النجاح، إشارات القرب من الله عز وجل {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت: 2) .
إن هذا الدين ليقف في وجه الطغاة والمستبدين، البغاة والظالمين، المنكبين علي الدنيا، الهائمين في ملذاتها وشهواتها ونزواتها، لذا يتعرض أصحابه لما يتعرضون له من صد وبلاء، من ظلم وابتلاء.
خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحصار إلى عام لقب بعام الحزن، حيث فقد النصير من الرجال (أبو طالب) ، والنصير من النساء (خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها) ، عمه أبو طالب الذي صد عنه كل أذي، جاءوا إليه يقولون ابن أخيك شتم أبائنا، وسفه أحلامنا وعاب ألهتنا، قل له يبقي في مسجده، و يعمل في دينه، ويظل مع قرآنه، ولا نريد منه شئ غير ذلك، فجاء به وقال له يا محمد دعك من هؤلاء فقد شتمت أبائهم، وسفهت أحلامهم، وعبت ألهتهم، فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله بيضت وجه التاريخ، وأنارت ربوع الدنيا وأصبحت منهجا ودستورا لدعاة الأمس و اليوم والغد القابضين علي دينهم، الملتزمين