(كيف أحتاج إليك وأنسي الذي أرسلك إلي، علمه بحاله يغنيه عن سؤالي) ، وإذا بالنبي الممتحن، والرسول المبتلي، يستمع في الأفاق إلى أوامر الله عز وجل التي أصدرها من فوق سبع سماوات، {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء: 69) ، فكانت عليه بردا من الحرارة وسلاما من البرودة، إنه طريق الأنبياء، شدائد، أشواك، ابتلاء لكنة اصطفاء، وبلاء لكنه اجتباء { ... اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} (الشورى: 13) وهذا هو ذاته طريق الصالحين من عباده، القائمين بالدعوة مقام الأنبياء والمرسلين، {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة: 130) .
يوسف عليه السلام ما كانت تهمته؟! ما هي حيثيات الحكم عليه؟! ما هي عريضة الاتهام التي قدمت ضده من القريب والبعيد، من العدو والصديق؟! كان أباه يعقوب عليه السلام يحبه ويفضله لحسن أخلاقه، رفض أن يخون ولي نعمته، كان جرمه أن لا ينساق وراء الغواية، وأن لا يقترف الإثم، وأن لا يرتكب الفاحشة .. !!، الشرف والكرامة، الإباء والطهارة، السمو والعفة، تهم وجهت إلى يوسف عليه السلام وهي تهم يساق أصحابها إلى السجون والمعتقلات في كل عصر وفي كل مصر عبر الزمان والمكان، كم من شرفاء غيبوا، وكم من كرماء ابعدوا وكم من صالحين قيدوا، وكان الشرف، والكرم، والصلاح هي تهم يتذرع بها الفاسدون المفسدون في الأرض، رغم ما حدث ليوسف عليه السلام من محن، لم ينسي مهمته التي خلق من اجلها، لم ينسي وظيفته التي كلفه الله بها {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآباؤكم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف: 39 - 40) ، لم يفقد مهمته، ولم يترك دعوته، هل ينساه ربه.؟! هل يتركه خالقه؟! هل يتخلي عنه رازقه؟! كلا وإنما خرج من سجنه أول رجل في هذا البلد، خرج عزيزا مرفوع الرأس، خرج قويا عالي الهامة، خرج أعظم إيمانا بربه وبدينه، واشد تمسكا بدعوته وعقيدته، فمكن الله له في الأرض، واتاه من الملك، وعلمه من تأويل الأحاديث {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يوسف: 56 - 57) {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف: 101) انه مصير