الصفحة 18 من 37

والجانب التعبدي هو سلوك المسلم الذي يحقق به كل تلك التصورات والأهداف والضوابط والأوامر التشريعية.

وعملية التربية، هي تنمية شخصية الإنسان على أن تتمثل كل هذه الجوانب، في انسجام وتكامل، تتوحّد معه طاقات الإنسان وتتضافر جهوده لتحقق هدف واحد تتفرع عنه وتعود إليه جميع الجهود والتصورات وضروب السلوك، ونبضات الوجدان [1] . إن هناك تلازمًا ضروريًا حتميًا بين التَّدَينِ الصحيح والخُلُقِ القويم، فقد حدّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغاية الأولى مِنْ بعثته، والمنهج الأول لدعوته، فعَنْ أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمَّمَ صالح الأخلاق) [2] ، فالهدف الأول لدعوته، هو إرساء البناء الأخلاقي للفرد والمجتمع، لأن هذا البناء الأخلاقي ثمنُ سعادة الدنيا والآخرة، والمتتبع لنصوص القرآن الكريم، ولنصوص السنة المطهرة الصحيحة يجد ذلك التلازم الضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم، وأعني بالتدين الصحيح الإتباع، قال سبحانه {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50] .

وعن أنس بن مالك قال: ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» [3] .

الإيمان أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وقد تبين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الصحيحة أن أحسن الناس إسلاما أحسنهم خُلُقًا، وأن أكملهم إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وأن من أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خُلُقًا، وأن من أقرب المؤمنين مجلسًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خُلُقًا، وان خير ما أُعطي الإنسان خُلقٌ حسن، وأن المؤمن لَيُدرِكُ بحسن خُلُقه درجة الصائم القائم، بل إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.

هذه سنته صلى الله عليه وسلم القولية، فماذا عن سنته العملية؟

إن النبي صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأسمى لاجتماع المبدأ والسلوك، وتطابق المعتقد مع القول، وتطابق القول مع العمل، فإن أعظم المسلمين منه قربًا صلى الله عليه وسلم أولئك الذين ضاقت المسافة بين سلوكهم ومبادئ الإسلام، وقيمه، وتشريعاته، وآدابه [4] .

(1) ... النحلاوي, عبد الرحمن, أصول التربية وأساليبها, مرجع سابق, ص 26 - 27.

(2) ... أخرجه الإمام أحمد (8939) , والحاكم (2/ 670) , والبيهقي في السنن الكبرى (10/ 192) .

(3) ... أخرجه أحمد (12406) .

(4) ... النابلسي, محمد راتب, ومضات في الإسلام, (دمشق: دار المكتبي, ط 2, 1430 هـ - 2009 م) , ص 169 - 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت