وأنه المخلوق الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، حمل الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض وأن الإنسان خُلق ضعيفًا، وخُلق عجولًا، وخلق هلوعًا، إذا مسَّه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاه الجزاء الأوفى. وهو يفلح ويفوز إذا أطاع الله ورسوله وتزكى وذكر اسم ربه فصلى، ولا ينفعه يوم القيامة مال، ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات وتواصوا بالصبر.
-وكيف يضل امرؤ يقرأ القرآن، والقرآن يُبين له انه لا إله إلا الله، وهو غالي على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه إليه يرجع الأمر كله، وأنه على كل شيء وكيل، وأنه يحكم لا مُعقَّب لحكمه، وأنه لا يُشرك في حكمه أحدًا، وأنه ما من دابة، إلا هو آخذٌ بناصيتها، وأنه ما يَفْتَح الله للناس من رحمةٍ، فلا مُمسك لها، وما يُمسك، فلا مُرسل له من بعده، وأنه لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم [1] .
القرآن الكريم كلام الخالق جل وعز، فيه من الهدى والرشاد، والحكمة والسَّداد، والعبر والمواعظ، ما تلين له الصخور الصماء، وتتيقظ من سباتها القلوب العمياء، وفيه ترغيب في الفضائل، وترهيب من الرذائل، ولا يخفى على أحد مكانة القرآن في النفوس المسلمين، وأهميته في تحقيق الراحة النفسية، والاطمئنان القلبي، والسلامة من القلق والهموم، والخلاص من الأفكار الذميمة والغموم، وحين تجتمع القلوب على تلاوة آيات القرآن الكريم وتتحلق على مأدبته الفاضلة، في أشرف البقاع، بيوت الله، فإن ذلك يضفي عليها أجواء من السكينة والارتياح، ويكسوها برحمة الخالق فتطمئن بها الأرواح قال تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] ، وقال جل وعلا: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82] .
وبالتالي فإن المواظبة على قراءة القرآن وسماعه - وبالأخص في المساجد - مدعاة لاطمئنان القلوب، وأمن النفوس، ووسيلة فاعلة لتحقيق الحياة الطيبة لأفراد المجتمع، وبث الأمن النفسي في أوساطه، وإزالة الخوف والعنف من نفوس أبنائه، وغرس معاني التوكل على الله تعالى، والرضا بقضائه وقدره، والتحلي بالصبر في معالجة المصائب، وصيانة النفوس من الانحراف السلوكي والخروج بها من المصاعب.
(1) ... النابلسي, محمد راتب, نظرات في الإسلام, مرجع سابق, ص 26 - 28 - 29 - 30.