فيجمع بذلك بين الأصالة والمعاصرة في نسق متزن معتدل، لا يغرق في الماضي، ولا يغفُلُ عن الحاضر ومتطلباته.
وأود أن أشير هنا - على سبيل المثال - إلى قضية هامة يسأل عنها الكثيرون من أبناء الأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا، وهي حكم شراء مسكن بنظام التقسيط (mortgage) عن طريق البنك الربوي نظرًا لضرورة تملك المسلم لمسكن له ولأسرته بدلًا من السكن بمنزل مستأجر والاستمرار في تحمل نفقات الإيجار والذي يحرمه من الكثير من الميزات، ولا ينتهي به بتملك المسكن، ففي هذه الحالة يجب على من يتصدى للخطاب الفقهي والفتوى أن يدرك الواقع الذي يعيشه أبناء الجاليات المسلمة بأوروبا وأمريكا والمضار التي تصيبهم من جراء استئجار المسكن على الدوام، كما عليه أن يدرك تغير حاجات الناس، وأن المسكن بأوروبا وأمريكا يعد من الضروريات، وليس من قبيل الحاجيات أو التحسينيات، وقد أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث قراره التالي بهذا الشأن مراعيًا هذه الحيثيات:
حكم شراء المنازل بقرض بنكي ربوي للمسلمين في غير بلاد الإسلام:
نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية.
وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها المجلس بأغلبية أعضائه إلى ما يلي:
1 -يؤكد المجلس على ما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذِن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
2 -يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين، وغير ذلك.
3 -كما يدعو التجمعات الإسلامية في أوروبا أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية، لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعًا، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل، فإن هذا سيجلب لهم عددًا كبيرًا من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوروبية، وقد رأينا عددًا من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعًا لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية، كما في البحرين وغيرها.
ويمكن للمجلس أن يساعد في ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك، لتعديل سلوكها مع المسلمين.