الصفحة 8 من 36

الفصل الثاني

ضوابط الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة

قد يتساءل البعض: هل يختلف الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة عنه للأكثرية؟ وهل يختلف الخطاب الإسلامي من عصر إلى آخر؟ وهل لكل عصر خطاب دعوي أو فقهي يخصه؟ أليس الدين الذي يستمد منه الخطاب ثابتًا؟ فلماذا يتغير الخطاب ويتنوع بأسباب شتى؟

إن هذه التساؤلات تحتم علينا أن نوضح - قبل الشروع في ذكر ضوابط الخطاب الفقهي للأقليات - أن الدين في أصوله لا يتغير، ولكن الذي يتغير هو أسلوب الدعوة إليه، ووسائل تبليغه للعالمين، خاصة مع تغير وسائل الاتصال وتطورها على النحو الذي نراه في العصر الحاضر، وإن كان علماؤنا السابقون قد قرروا أن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان والحال والعرف - وأضاف د. القرضاوي ستة موجبات أخرى تتغير بها الفتوى في العصر الحاضر، وهي تغير المعلومات، وتغير حاجات الناس، وتغير قدراتهم وإمكاناتهم، وعموم البلوى، وتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتغير الرأي والفكر [1] - فإن الخطاب الإسلامي الفقهي أو الدعوي يتغير - من باب أولى - وفق تلك المتغيرات؛ فالخطاب الفقهي للمسلم الجديد يختلف عنه للمسلم الذي نشأ وتربى على الإسلام وتعاليمه، والخطاب الفقهي والدعوي للعالم الراسخ في العلم يختلف عنه للعامي، وكذا الخطاب الفقهي للمجتمعات المسلمة في بلاد الإسلام يختلف عنه للأقليات المسلمة بالغرب والشرق.

والقرآن الكريم يقرر تلك الحقيقة حينما يرشد الله عز وجل نبيه (صلى الله عليه وسلم) والدعاة والعلماء من بعده إلى التنوع في أسلوب الدعوة حسب مقتضى الحال وطبيعة المخاطب، فيقول الله تعالى في محكم التنزيل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .

يقول الإمام القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذه الآية: وأمره (أي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم) أن يدعوَ إلى دين الله وشرعه بتلطُّف ولِين دون مخاشَنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة [2] .

ويقول ابن عاشور في تفسيره"التحرير والتنوير":

(1) انظر محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، 4 أجزاء، تحقيق طه عبدالرؤوف سعد (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1388 هـ - 1968 م) ، ج 3، ص 2 والصفحات التي تليها، القرضاوي، موجبات تغير الفتوى في عصرنا، سلسلة قضايا الأمة (1) (الدوحة: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 1428 هـ - 2007 م) ، ص، ص 10 - 11.

(2) أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 20 جزء، تحقيق هشام سمير البخاري (الرياض: دار عالم الكتب، 1423 هـ - 2003 م) ، ج 10، ص 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت