الحكمة: هي المعرفة المحكمة؛ أي: الصائبة المجردة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وتهذيبهم؛ ولذلك عرَّفوا الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية، بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض، ولا تخطئ في العلل والأسباب، وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحًا مستمرًّا لا يتغير ....
والموعظة: القول الذي يلين نفس المقُول له لعمل الخير، وهي أخص من الحكمة؛ لأنها حكمة في أسلوب خاص لإلقائها .... ووصفها بالحسن تحريض على أن تكون لينة مقبولة عند الناس؛ أي: حسنة في جنسها ....
والمجادلة: الاحتجاج لتصويب رأي وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك، ولما كان ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة، أمَره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن ....
والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة، وذلك بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصة وعامة، وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملًا على هذه الأحوال الثلاثة، بل قد يكون الكلام حكمةً مشتملًا على غلظة ووعيد، وخاليًا عن المجادلة، وقد يكون مجادلة غير موعظة.
ومن الإعجاز العلمي في القرآن: أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي، وهي البرهان والخطابة والجدل المعبر عنها في علم المنطق بالصناعات، وهي المقبولة من الصناعات، وأما السفسطة والشعر فيربأ عنهما الحكماء الصادقون، بله الأنبياء والمرسلين [1] .
من ثم فالخطاب الإسلامي - الدعوي والفقهي وغيرهما - يختلف ويتغير بحسب ما يقتضيه المقام، وحسب أحوال المخاطَبين، وفيما يلي سأعرض لأهم الضوابط التي ينبغي أن ينضبط بها الخطاب الفقهي الموجه للأقليات المسلمة:
إن التيسير والرحمة والسماحة ورفع الحرج من خصائص شريعة الإسلام الخالدة، وقد دل على ذلك كثير من نصوص القرآن والسنة المطهرة، وكذلك استقراء جملة من الأحكام الشرعية يحصل من مجموعها القطع بأن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، فمن النصوص الدالة على يسر الشريعة ورفع الحرج قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقوله: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ
(1) محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 30 جزء (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984 م) ، ج 14، ص - ص 327 - 331.