الصفحة 28 من 36

لا يجب على الخطاب الفقهي للأقليات أن يغلق الباب في وجه المحظورات فحسب، بل ينبغي أيضًا أن يسعى لطرح البدائل مما أحله الشارع الكريم؛ فرحمة الله واسعة، وهي قريب من المحسنين، ومن محاسن شريعة الإسلام السمحة أنها ما حرمت شيئًا إلا وعوضت الناس خيرًا منه ليسد مسده ويغني عنه، فحرمت الربا - مثلًا - وأبدلته بالتجارة الرابحة، وحرمت الزنا وأحلت النكاح الشرعي، وحيث إن المسلمين الذين يعيشون كأقلية بالغرب أو الشرق يعيشون ظروفًا أكثر تعقيدًا عن المسلمين بالدول الإسلامية، فطرح البدائل للمحظورات يصبح من ضروريات الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة؛ ليمكنها من العيش وفق نهج الشرع الحنيف.

ما أروع ما قاله ابن القيم في إعلامه حينما قال:

من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنعه منه وكانت حاجته تدعوه إليه، أن يدله على ما هو عِوَض له منه، فيسد عليه باب المحظور، ويفتح له باب المباح، وهذا لا يتأتى إلا من عالم ناصح مشفِق قد تاجر مع الله وعامله بعلمه، فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليل عما يضره، ويصف له ما ينفعه، فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم ) )، وهذا شأن خُلُق الرسل وورثتهم من بعدهم، ورأيت شيخنا - قدس الله روحه - يتحرى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح، فقال: (( بِعِ الجميع بالدراهم، ثم اشترِ بالدراهم جنيبًا ) )، فمنعه من الطريق المحرم، وأرشده إلى الطريق المباح، ولما سأله عبدالمطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس أن يستعملهما في جباية الزكاة ليصيبا ما يتزوجان به، منعهما من ذلك وأمر محمية بن جزو - وكان على الخُمُس - أن يعطيهما ما ينكحان به، فمنعهما من الطريق المحرم، وفتح لهما الطريق المباح، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى؛ فإنه يسأله عبدُه الحاجةَ فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له، وأنفع منها، وهذا غاية الكرم والحكمة [1] .

ثامنًا: تحري الوضوح وعدم الضبابية:

يجب على الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة - على وجه الخصوص - أن يتسم بوضوح العبارة وبساطة الأسلوب؛ فالأولى البعد عن الألفاظ التي تحتمل أكثر من معنى، والابتعاد عن التراكيب البلاغية التي يصعب فهمها، فيلزم المفتي أو الإمام أن يبين الجواب بيانًا شافيًا يزيل الإشكال، فالمقصود من الخطاب الفقهي هو إيضاح حكم الشرع في القضايا والنوازل المختلفة، فلا بد إذًا أن يفي الخطاب بهذا المقصود.

(1) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، ج 4، ص، ص 170 - 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت