الأضحى بأن يتبع قرارًا أو رأيًا يخالف الرأي الصحيح الذي ارتضته قيادة الجالية المسلمة؛ لما في ذلك من شق عصا وحدة الجالية، وإلحاق الضرر البالغ بهم وبصورة المسلمين أمام الرأي العام.
يجب على الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة - خاصة - حسن إدراك الواقع، وحسن إنزال النص أو الدليل المناسب على الواقع المناسب؛ فواقع الأقليات المسلمة اليوم يختلف في الكثير من جوانبه عن واقع الأكثرية المسلمة التي تعيش في بلاد المسلمين كمصر والسعودية، وقد اشترط فقهاؤنا الأجلاء - بالإضافة إلى الرسوخ في علوم الشريعة واللغة العربية - العلم بالواقع ليتمكن المفتي والفقيه من الفتوى والحكم بالحق، وفي هذا يقول ابن القيم (ت 751 هـ) في إعلام الموقعين:
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله ...
ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم، ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله [1] .
من ثم فالخطاب الفقهي للأقليات المسلمة يجب أن يدرك الواقع الخاص والمعقَّد للجاليات المسلمة؛ ليتمكن من إنزال حكم الله الصحيح عليه، ويجب عليه كذلك أن يحسن إدراك موجبات تغير الفتوى في العصر الحاضر؛ فقد قرر علماؤنا السابقون أن الفتوى تتغير بتغير المكان والزمان والحال والعرف - وأضاف د. القرضاوي ستة موجبات أخرى تتغير بها الفتوى في العصر الحاضر، وهي تغير المعلومات، وتغير حاجات الناس، وتغير قدراتهم وإمكاناتهم، وعموم البلوى، وتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتغير الرأي والفكر، [2] فلا يجوز للخطاب الفقهي الجمود على الإرث القديم من اجتهادات وفتاوى فقهاء الأمة في العصور السابقة، بل عليه الإفادة من هذا الإرث الفقهي الحضاري ودراسته دراسة منهجية، ثم الانطلاق منه ليتعامل مع قضايا العصر الحاضر ونوازله على بصيرة بما يقتضيه الواقع وما يتطلبه التغير في الزمان والحال والحاجات وغيرها،
(1) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، ج 1، ص، ص 95 - 96.
(2) انظر ابن قيم الجوزية، المصدر السابق، ج 3، ص 2، والصفحات التي تليها، القرضاوي، موجبات تغير الفتوى، ص، ص 10 - 11.