حَرَجٍ [المائدة: 6] ، وكذلك حديث:"ما خُيِّر رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه" [1] .
وما أروع ما قاله الإمام الشاطبي (ت 790 هـ) في موافقاته حين قال:
إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النصوص الدالة على ذلك؛ كقوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] ، وقوله: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة: 286] ، وفى الحديث: (( قال الله تعالى: قد فعلت ) ) [2] ، وجاء: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6] ، وفي الحديث: (( بُعثت بالحنيفية السمحة ) ) [3] ، و"ما خُير بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا" [4] ، وإنما قالت: ما لم يكن إثمًا، لأن ترك الإثم لا مشقة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه ذلك مما في هذا المعنى، ولو كان قاصدًا للمشقة، لما كان مريدًا لليسر ولا للتخفيف، ولكان مريدًا للحرج والعسر، وذلك باطل.
والثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة ضرورة؛ كرخص القصر والفطر والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا النمط يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقة، وكذلك ما جاء من النهي عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال، ولو كان الشارع قاصدًا للمشقة في التكليف، لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف.
والثالث: الإجماع على عدم وقوعه وجودًا في التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه، ولو كان واقعًا لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف، وذلك منفي عنها، فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة، وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير كان الجمع بينهما تناقضًا واختلافًا، وهي منزهة عن ذلك [5] .
(1) رواه مسلم في الصحيح، رقم 6047.
(2) رواه مسلم في الصحيح، رقم 180.
(3) رواه أحمد في المسند، رقم 21260.
(4) رواه مسلم في الصحيح، رقم 6047.
(5) أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، 4 مجلدات، تحقيق عبدالله دراز (بيروت: دار المعرفة، د. ت.) ، ج 2، ص، ص 122 - 123.