الصفحة 11 من 36

فإذا طالبنا الفقيه والعالم بمراعاة التيسير ورفع الحرج مع المسلمين كافة، فإن هذا آكد في حق الأقليات المسلمة التي تعيش ظروفًا أكثر تعقيدًا، وتواجه تحديات قاسية تهدد هويتها الإسلامية، فإذا عرضت للفقيه مسألة أو نازلة يصح فيها بعض الآراء المختلفة، فإن عليه أن ينتقي ويختار ما يحقق التيسير ويرفع الحرج، خاصة في النوازل والمسائل العامة التي تؤثر بشكل بالغ في حياة المجتمعات والجاليات المسلمة بالغرب أو الشرق، فإن كان في المسألة رخصة أو تخفيف، فعلى الفقيه ألا يشدد على أبناء الجالية المسلمة؛ كما في الحديث: (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته ) ) [1] .

ولهذا يحسن بالخطاب الفقهي للأقليات المسلمة ألا يتبنى الآراء المتشددة التي تضيق على الناس معايشهم، وتجنح إلى التحريم أكثر من التحليل، وتعسر ولا تيسر، وتنزل الحرج ولا ترفعه في القضايا والنوازل في النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، وليكن شعار من يتصدى للخطاب الفقهي للأقليات في هذه المرحلة الفارقة في تاريخ الأمة المسلمة قول الإمام سفيان الثوري:"إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد" [2] .

الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - يوضح أن الله عز وجل وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها لهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة، لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، من ثم رفع الله الحرج عن المكلفين، يقول الشاطبي:

فاعلم أن الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين:

أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله، أو ماله أو حاله.

والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد، المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلًا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنهما [3] .

وهنا أذكر - على سبيل المثال - أن العشرات من الأسئلة وردت إلينا بموقع إسلام أون لاين. نت (صفحة اسألوا أهل الذكر باللغة الإنجليزية) ، وكذا بموقع أون إسلام. نت تسأل عن حكم جمع صلاة العشاء مع المغرب ببعض البلدان الأوربية في فصل الصيف بسبب تأخر وقت العشاء حتى يصل إلى منتصف الليل أو يتعداه، أو

(1) رواه أحمد وابن حبان والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، وهو في صحيح الجامع الصغير، رقم 1886.

(2) أبو عمرو يوسف بن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله، جزآن، تحقيق أبي الأشبال الزهري (الدمام: دار ابن الجوزي، 1414 هـ - 1994 م) ، ج 1، ص 784 (رقم 1467) .

(3) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت