وعلى الخطاب الفقهي للأقليات أن يحيط علمًا بالثقافات المتنوعة - بل والمتباينة - لأبناء الجالية المسلمة، وقد لمست ذلك عن قرب في زياراتي للجاليات المسلمة بأمريكا وأوروبا؛ فالفتوى قد تتغير نظرًا للاختلاف والتنوع في الثقافات، وأذكر هنا أن أحد الأصدقاء أخبرني أنه تلقى سؤالًا من إحدى المسلمات عن حكم الخَلوة والخروج مع"خطيبها"؟ فلما استفسر عما تقصده بخطيبها، أخبرته أن"الخاطب"في ثقافتهم هو"العاقد"؛ أي: الشاب الذي عقد على فتاة ولكن لم يدخل بها بعد، من ثم فالإجابة هنا مختلفة تمامًا عنها للمجتمعات التي تعني بالخِطبة مجرد الوعد بالزواج، كما هو منتشر في كثير من البلاد الإسلامية، ورحم الله الإمام الشافعي (150 هـ - 204 هـ) الذي عد المعرفة باختلاف أهل الأمصار من شروط الإفتاء، حيث قال:
لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله؛ بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشِّعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي [1] .
ولا يخفى أن الخطاب الفقهي الذي يخطئ فهم أعراف المجتمعات وثقافاتهم لا يتمكن من إنزال حكم الله الصحيح في كثير من القضايا والنوازل، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والمعاملات المالية، وما أروع ما قاله ابن القيم في إعلامه حين قال:
لا يجوز له (أي للمفتي) أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرْف أهلها والمتكلمين بها، فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضل.
فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثني عشر درهما، والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر له بدراهم أو حلف ليعطينه إياها أو أصدقها امرأة لم يجُزْ للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجُزْ له أن يلزم المستحق بالمغشوشة.
وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عُرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه: إنه حر، أو جاريته: إنها حرة، وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها، لم يعتق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحًا عند من أَلِفَ استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف
(1) ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، ج 1، ص 47.