الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة هو خطاب عام يتسع للمذاهب الفقهية الصحيحة، فلا ينغلق على مذهب فقهي واحد دون المذاهب الأخرى، بل يدور مع المصلحة حيث كانت، منتقيًا ما يحقق المصلحة الأرجح من المذاهب التي ارتضتها المجامع الفقهية.
إن مسلمي الأقليات - غالبًا - لا يتبعون مذهبًا فقهيًّا واحدًا، وإنما يتبعون مذاهب فقهية متعددة بتعدد أصولهم ومشاربهم الفكرية والفقهية؛ ولذا فالأحرى بالخطاب الفقهي أن يستهدف المصلحة العامة للجالية بعيدًا عن التعصب لرأي أو مذهب بعينه، وإذا كانت كثير من الدول الإسلامية لا تصر على مذهب واحد في جميع القوانين لتحقيق المصالح الراجحة - كما هو الحال في مصر على سبيل المثال - فهل يبقى الخطاب الفقهي للأقليات المسلمة بعيدًا عن هذا التسامح واتساع الأفق؟!
وأرى - على سبيل المثال - أن عدم الأخذ برأي الأئمة الأربعة في منع إرث المسلم من قريبه غير المسلم وتبني الرأي الذي يجيز للمسلم أن يرث قريبه غير المسلم - وهو رأي معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحسن، وسعيد بن المسيب، ومسروق، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم - لتحقيق مصلحة راجحة للمسلم بأوروبا أو أمريكا - لا يجوز إنكاره، فغير المسلم يرث قريبه المسلم بسلطة القانون، ومن ثم إذا لم يرث المسلم قريبه غير المسلم تنتفي المساواة بين المسلم وغير المسلم في الإرث، وسيضار المسلم بهذا ضررًا بالغًا، بالإضافة إلى أن المسلم إذا ترك نصيبه في الإرث من قريبه غير المسلم فإن هذا المال قد يذهب إلى مؤسسات أو هيئات غير إسلامية، فلا ينتفع بها المسلمون، وقد ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية:
ذهب جمهور الفقهاء، وهو قول أبي طالب من الحنابلة وقول علي وزيد بن ثابت وأكثر الصحابة، إلى أن الكافر لا يرث المسلم، حتى ولو أسلم قبل قسمة التركة؛ لأن المواريث قد وجبت لأهلها بموت المورث، وسواء أكان الارتباط بين المسلم والكافر بالقرابة أم بالنكاح أم بالولاء.
وذهب الإمام أحمد إلى أنه إن أسلم قبل قسمة التركة ورث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من أسلم على شيء، فهو له ) ) [1] ، ولأن في توريثه ترغيبًا في الإسلام، كما ذهب إلى أن الكافر يرث عتيقه المسلم.
وذهب جمهور الفقهاء أيضًا إلى أن المسلم لا يرث الكافر.
وذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان والحسن ومحمد بن الحنيفة ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق إلى أن المسلم يرث الكافر.
استدل الأئمة الأربعة على مذهبهم بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يتوارث أهلُ مِلَل شتى ) ) [2] ، ولقوله عليه السلام: (( لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم ) ) [3] .
(1) أخرجه البيهقي، 9/ 113.
(2) أخرجه أبو داود، 3/ 85.
(3) متفق عليه: أخرجه البخاري، رقم 2912، ومسلم، رقم 1614 من حديث أسامة بن زيد.