الصفحة 23 من 41

[أما في مجال المعاملات والآداب؛ فتتجلى صورٌ عظيمة من السماحة، فلقد بنى الإسلامُ شريعةَ التسامح في علاقاته على أساس متين، فلم يضِقْ ذرعا بالأديان السابقة، وشرع للمسلم أن يكون حسنَ المعاملة، رقيقَ الجانب، لينَ القول مع المسلمين وغير المسلمين، فيحسنُ جوارَهم، ويقبلُ ضيافتهم، ويصاهرُهم حتى تختلط الأسرة، وتمتزج الدماء.

وشرع الإسلام مواساةَ غيرِ المسلمين بالمال عند الحاجة، فشرع للمسلم أن يعطيَهم من الصدقة، ويهدى إليهم ويقبل هديتهم، ويواسيهم عند المصيبة، ويعود مريضهم ويهنئهم بما تشرع فيه التهنئة؛ كالتهنئة بالمولود والزواج، ويناديهم بأسمائهم المحببة إليهم؛ تأليفا لهم ...

إن المعاهَد =وهو المواطن اليوم= في بلد الإسلام لا يعيش على هامش المجتمع؛ بل يشاركُ ويخالطُ أفراد المجتمع، ويسنَد إليه الأعمال التي هي من صميم عمل أهل الإسلام، فقد جوَّز الخرقي أن يكون الكافرُ من العاملين على الزكاة، وذكر في المغني أنها إحدى الروايتين عن الإمام أحمد؛ لأن الله تعالى قال: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} وهذا لفظ عام يدخل فيه أي عامل على أي صفة كانت، ولأن ما يأخذُ على العمالة أجرة لعمله، فلم يُمنع من أخذه كسائر الإجارات ...

لقد أطلق الإسلام على =المواطنين= غير المسلمين الذين لهم ذمَّة: أهلَ الذمة، وعاملهم بها، وهي تعني: العهدَ والأمانَ والضمان، والحرمةَ والحقَّ، وهو عهد منسوب إلى الله عز وجل، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن الأثير: (وسمِّيَ أهلُ الذمة؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم) ...

وجاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! ادع الله على ثقيف) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهد ثقيفا"، قالوا: (يا رسول الله! ادع عليهم) . فقال:"اللهم اهد ثقيفا"، فعادوا فعاد، فأسلموا. فوُجدوا من صالحي الناس إسلاما، ووجد منهم أئمة وقادة

وكان صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا مخالفيه من غير المسلمين، (فقبل هدية زينب بنت الحارث اليهودية؛ امرأة سلام بن مشكم في خيبر، حيث أهدت له شاة مشوية، قد وضعت فيها السم) .

وقد قرر الفقهاء قبولَ الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم، حتى أهل الحرب، قال في المغني: (ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدية المقوقس صاحب مصر) ...

ولم يُعرف في تاريخ المسلمين الطويل، أنهم ضيَّقوا على اليهود والنصارى أو غيرِهم، أو أنهم أَجبَروا أحدا من أي طائفة من الطوائف اليهودية أو النصرانية على اعتناق الإسلام. يقول توماس آرنولد = (توفي عام 1349 هـ، 1930 م) ، إنجليزي، له كتاب الدعوة إلى الإسلام=: (لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام، أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت