لقد كان عهد الخلفاء الراشدين امتدادا لعهد النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد صورا من سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين؛ من إعانتهم بالمال أو النفس عند الحاجة، ومن كفالة العاجز منهم عن العمل أو كبير السن، وغير ذلك. وهذا هو ما سار عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم في صدر الإسلام في معاملتهم لأهل الذمة ... ]. من (سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين) .
[ويقول =أيضا= المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام ص 51) : (لقد عامل المسلمون الظافرون العربَ المسيحيين بتسامح عظيم، منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة، ونستطيع أن نحكمَ بحقٍّ أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وإن العربَ المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح ... ) .
وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب ص 364) : (العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشعَ أمثلةٍ للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعًا دون أيَّ عائقٍ يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وتركَ المسلمون لهم بيوتَ عبادتهم وأديرتهم، وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أوَ ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟!!] . من كتاب(تعرف على الإسلام) د. منقذ بن محمود السقار (1/ 107)
بل وفوق هذا وذاك؛ يدافع عنهم المسلمون، ويفكُّون أسراهم المأسورين عند غير المسلمين، قال ابن زنجويه:
[قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، =أي المواطنون من غير المسلمين= يُجَاهَدُ مِنْ دُونِهِمْ، =أي يدافَع عنهم= وَيُفَكُّ عُنَاتُهُمْ، =أي أسراهم= فَإِذَا اسْتُنْقِذُوا رَجَعُوا إِلَى ذِمَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ أَحْرَارًا، وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ:
=وساقها بأسانيدها= عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ كَانَ فِي وَصِيَّتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، (أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِكَذَا وَكَذَا، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ خَيْرًا، أَنْ يُقَاتِلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلا يُكَلَّفُونَ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ) ...
وعن ابْن الزُّبَيْرِ، سَأَلَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، عَنِ الأَسِيرِ، مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ، قَالَ: (فِكَاكُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) ...
وعَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ، قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ امْرَأَةٍ، مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ سَبَاهَا الْعَدُوُّ، فَصَارَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَهْمِهِ. قَالَ: (أَرَى أَنْ تُرَدَّ إِلَى الْعَهْدِ وَذِمَّتِهَا) .
وعَنْ عَطَاءٍ، فِي حُرٍّ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: (يَسْعَى لَهُ فِي ثَمَنِهِ، وَلا يَسْتَرِقَّهُ) . قَالَ: (وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ) ] . الأموال لابن زنجويه (1/ 333)
ولا يجوز تعذيبهم إن تأخروا عن دفع ما عليهم من حقوق مالية، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، -مِنَ الأَنْبَاطِ- وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: -حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ-، يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ -هِشَامٌ-: أَمَا إِنِّي -أَشْهَدُ لـ- سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: