إنها سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين،[وعبر تاريخ دولة الإسلام كان يعيش في داخلها غير المسلمين في مراحل قوتها وضعفها، فلم يجبروا على ترك معتقداتهم أو يكرهوا على الدخول في الإسلام، والقاعدة العظمى في الإسلام أن لا إكراه في الدين، ولذا فقد عاش الذميون وغيرهم في كنف دولة الإسلام دون أن يتعرض أحد لعقائدهم ودياناتهم. إن الإسلام لم يقم على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس الجائر لأموالهم وأعراضهم ودمائهم وتاريخ الإسلام في هذا المجال أنصع تاريخ على وجه الأرض.
ومن المقرر عند الفقهاء أنه لو أكره أحد على الإسلام فإنه لا يصح إسلامه.]. سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين
[وفي ذلك يقول السيد بوسارد صاحب كتاب (إنسانية الإسلام) : إن المساواة تبدأ من السجود لله الواحد ثم تصعد مع الإنسان في كل أعماله وعلاقاته، ويقول أيضا: (إن إفراد الله بالعبودية المطلقة لا يبقي مجالا لكي يعلو واحد على الآخر، أو يستعبد إنسان إنسانًا) .
وحين وقع أحدُ أصحاب الرسول فيما يقع فيه كلُّ الناس، وعيّر أحدَ إخوانه بلونه الأسود, انبرى - صلى الله عليه وسلم - ليصده ويذكره قائلا:"إنك امرؤ فيك جاهلية".. وإذا أصبحت الحرب أمرًا محتومًا بسبب عدوان دولة أجنبية، فقد راعى المسلمون دائما قوانين الحرب الإنسانية، فقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ... «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» . مسلم (1955) . ويتضح ذلك من وصية الخليفة الأول إلى الجيش الإسلامي ... ] حقوق الإنسان والقضايا الكبرى (بتصرف)
وهناك من علماء الشريعة علماء ألفوا كتبا للحفاظ على مصالح البشرية والإنسانية؛ ومنهم الإمام العزّ بن عبد السلام المتوفى عام 660 هـ/ 1262 م، فقد ذكر وأسس هذه المصالح في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) ووضح كيفية (جَلْبِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ، وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمَا) ، وقال: (لِلدارَيْنِ مَصَالِحُ إذَا فَاتَتْ فَسَدَ أَمْرُهُمَا، وَمَفَاسِدُ إذَا تَحَقَّقَتْ هَلَكَ أَهْلُهُمَا) . وفي هذا الكلام إشارة إلى حفظ حقوق الإنسان في الدنيا والآخرة.
وعلى علمائنا ودعاتنا الرجوع إلى الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة، فها هو شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية يبين [الطريقة القويمة، والمنهاجَ الواضحَ في كيفية التعامل مع كافة القضايا؛ حيث يقول: (والمؤمن ينبغي له أن يَعْرف الشرور الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يَعْرف الخيرات الواقعة، ومراتبها في الكتاب والسنة، فيُفَرِّق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعُها في الكتاب والسنة، ليقدِّم ما هو أكثر خيرًا، وأقلُّ شراًّ على ما هو دونه، ويَدْفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويَجْتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يَعْرف الواقع في