الصفحة 24 من 56

الآراء وتتعدد الملاحظات، وكل يأتي بمنهج أو سبيل يرتئيه لحل هذه المشكلة، ومعالجة هذه المعضلة.

وأنا أرى أن هذه المشكلة قد ذكرها الرسول - عليه الصلاة والسلام - ووصفها في بعض أحاديثه الثابتة عنه، وبيّن علاجها، ومن هذه الأحاديث قوله - عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [1] . فنجد في هذا الحدث ذكر المرض الذي شاع حتى أحاط بالمسلمين، فذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نوعين من المرض على سبيل التمثيل لا التحديد.

من أمراض المسلمين:

النوع الأول: هو وقوع المسلمين في بعض المحرمات بالاحتيال عليها وهم على علم بها: وهذا كامن في قوله - عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ» فالعينة: نوع من البيع يشير هذا الحديث إلى تحريمه، ولكن بعض الناس رأوا إباحة ذلك؛ لأنها وضعت في باب البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بالعمومات التي تدل على جواز البيع؛ كمثل الآية المشهورة: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] فقالوا: هذا بيع وشراء، فلا بأس أن يزيد أو ينقص!

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أولًا: مبين للناس؛ كما قال ربنا - تبارك وتعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]

وهو ثانيًا: كما وصفه ربنا - تبارك وتعالى - بقوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128] فمن رأفته ورحمته بنا - عليه الصلاة والسلام -؛ أن نبهنا على مكامن احتيال الشيطان على بني الإنسان، وحذرنا أن نقع في أحابيله في أحاديث كثيرة جدًا، منها ما نحن الآن في صدده، فقال - عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ» أي: إذا استحللتم ما حرم الله ورسوله بأدنى الحيل باسم أن هذا بيع، والحقيقة أنه ستار، وأنه استدانة مقابل زيادة، وهذا ربًا مكشوف، فحذرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث من أن نقع في مثل هذا

(1) رواه أبو داود وأحمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت