الاحتيال لاستحلال ما حرم الله، فذلك أخطر من أن يقع المسلم في الحرام وهو يعلم أنه حرام؛ لأنه يرجى له يومًا ما أن يعود إلى ربه ويتوب؛ لأنه على علم بأن ما يفعله حرام.
أما إذا كان قد زُيَّنَ له سوء عمله لسبب من الأسباب؛ إما بالتأويل الخطأ أو بالجهل البالغ، فظن أن عمله لا شيء فيه، فبديهي أن لا يخطر في باله يومًا ما أن يتوب إلى الله، فكان خطر المُحَرَّم المُسْتَحَلِّ فكريًا واعتقاديًا أشدّ بكثير من المُحَرَّم المكشوف، فالذي يأكل الربا، ويعلم أنه ربا، ويعتقد أنه ربا؛ هذا ـ مع أنه يحارب الله رسوله كما في نص الآية ـ خطره في النتيجة أيسر من ذلك الذي يأكل الربا وهو يعتقد أنه إنما يأكل حلالًا، هذا كمثل الذي يشرب المسكر ويعتقد أنه حرام، فيرجى أن يتوب إلى الله، أما الذي يشرب المسكر، وهو يعتقد لسبب ما أنه شراب حلال؛ فهذا أخطر من ذاك؛ لأنه لا يتصور أن يتوب عنه أبدًا ما دام يسيء فهم حكم هذا الأمر.
والرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث ذكر بيع العينة ـ كما ذكرنا في مطلع الكلام ـ على سبيل التمثيل لا على سبيل التحديد، فيشير إلى أن كل حرام يرتكبه المسلم مستحلًا له بطريقة ما من طرق التأويل؛ فهذا من نتائجه أن يذله الله - عز وجل - ويذل بسببه المسلمين إذا فشا فيهم وشاع.
النوع الثاني: ثم ذكر النوع الثاني من الأشياء التي يشترك الناس كلهم في معرفة مخالفتها للشريعة، فقال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ» أي: انشغلتم بالسعي وراء حطام الدنيا، تحصيل الرزق باسم أن الله أمرنا بالسعي وراء الرزق، فيبالغ المسلمون في ذلك، وينسون ما فرض الله عليهم من الفرائض، ويلتهون بالسعي وراء الزرع والضرع، وما شابه ذلك من المكاسب، فينسيهم ذلك ما فرض الله عليهم من الواجبات، وذكر على سبيل المثال الجهاد في سبيل الله؛ فقال - عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» .
هذا الحديث من أعلام النبوة، فقد تحقق فينا هذا الذل؛ فيجب علينا أن نأخذ العلاج من هذا الحديث بعد أن وصف المرض، وما سيثمر هذا المرض من ذلك، فقد تمسكنا بالأدواء، وأدت بنا إلى المرض، ألا وهو الذل، فعلينا إذن أن نعود إلى تطبيق الدواء الذي وصفه الرسول - عليه الصلاة والسلام - وصرح بأنه إذا رجعنا إليه رفع الله عنا هذا الذل.