الصفحة 28 من 64

خلال إعادة تنضيده، والإمساك بمقصده، واستحضار المقام والغاية عند القيام بتأويل عدد من العلامات والدلائل.

الخطاب التربوي الإقناعي الحجاجي ينطلق من معطيات القول الطبيعي، في أشكاله ومضامينه، في ألفاظه وتراكيبه، ويشتغل عليهما استشكالا واستدلالا. فلا عجب أن يخضع لفاعلية اللسان العربي الحجاجية، ويؤدي وظيفته بتمام مقتضياتها. ولهذا فالحجاج يقتضيه كل تفاعل بلغة طبيعية. ولغة هذا الخطاب هي التي تمده وتسمه بالصفة الحجاجية، مانحة إياه العناصر الأولية والقاعدية الحجاجية، تبليغا وتدليلا وإقناعا.

فوجود اللغة حقيقة هو وجود حواري أي أن الهدف من اللغة، ليس التعبير عن الأغراض فحسب؛ ولذلك فاللغة التربوية الإقناعية المعتمدة على الحجاج هي لغة ذات منطق؛ فهي لغة وحجة؛ أي أنها مجموعة من الوسائل اللغوية المستعملة للتأثير؛ وهي وظيفة محورية للغة.

الخطاب التربوي الإقناعي في استعماله للحجاج، يصبح خطابا مفتوحا على عدة معان دلالية مختلفة؛ فهو جزء لا يتجزأ من اللغة الطبيعية التي يجري عليه مايجري عليها، ولا يجوز أن نتغاضى عن أثر اللغة على محتوياته ومناهجه الإستدلالية والإبلاغية.

ويقترن قصدان في الحجاج الذي يتوجه به للغير للإفهام؛ (قصدالإدعاء) الذي يختص به المتكلم و (قصد الإعتراض) الذي يعتبر من حق المخاطب المستمع؛ فالحجاج «كل منطوق به موجه إلى الغير؛ لإفهامه دعوى مخصوصة يحق له الاعتراض عليها» [1] .

وتعريف الحجاج بكونه جهدا إقناعيا، يعني أنه متجسد في كل اللغات؛ باعتبار أن الخطاب يستهدف إقناع من يتوجه إليه [2] .

وإفادة الحجاج من الناحية الدلالية لمعنى القصد ومعنى الإقناع عن طريق الجدال والتخاصم الفكري، تظهر أهميته في مجال الخطاب التربوي؛ فدلالة الحجاج في اللغة العربية تقابل في اللغة الفرنسية (Argumentation) الذي لا يختلف معناه الجوهري عن معناه في العربية. فـ (Argument) تحيل في القاموس الفرنسي (روبير) إلى معنى الاعتراض أو طرح موقف مرفوق بحجج مؤيدة لوجهة النظر [3] .

فمن خلال الحجاج، يستهدف المخاطب إقناع المتوجه به إليه بوجهة نظر محددة وإفحامه بها؛

(1) ـ طه عبد الرحمان"اللسان والميزان"ص 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت