العربي وتعدد وجوهه وجماع معانيه وتفرقها؛ فتوظيف القواعد والمبادئ اللغوية، ينبغي أن يقود اجتهاد التأويل، إلى التقنين، على اعتبار أن العرب درجت على استعمال موضوعات لغوية من جهات مختلفة؛ حقيقة ومجازا، منطوقا ومفهوما، عموما وخصوصا، إطلاقا وتقييدا، حذفا وإضمارا.
المشافهة لاتكون إلا من اثنين؛
فنحن لا نتكلم إلا ونحن إثنان، بل لا نتكلم إلا ونحن زوجان، لأن الزوجين هما بالذات الاثنان الموجودان، والكلام لا يتحقق إلا باثنين موجودين هما (المتكلم) و (المخاطب) [1] .
ولا يكون كلاما «حتى تحصل من الناطق إرادة توجيهه إلى غيره ومالم تحصل منه هذه الإرادة، فلا يمكن أن يعد متكلما حقا؛ حتى ولو صادف ما نطق به حضور من يتلقفه؛ لأن المتلقف لا يكون مستمعا حقا حتى يكون قد ألقي إليه بما يتلقف، مقصودا بمضمونه هو أو مقصودا به غيره، بوصفه واسطة فيه أو قل متى يدرك رتبة المتلقي» [2] .
وينص التهانوي على أن «أهل العربية يشترطون القصد في الدلالة؛ فما يفهم من غير قصد من المتكلم لا يكون مدلولا للفظ عندهم؛ فإن الدلالة هي فهم المقصود لا فهم المعنى مطلقا بخلاف المنطقيين؛ فإنها عندهم فهم المعنى مطلقا سواء أراده المتكلم أولا؛ فظهر أن الدلالة تتوقف على الإرادة مطلقا، مطابقة كانت أو تضمنا أو التزاما» [3] .
انطلاقا من الاعتقاد أن الخطاب يتوجه (من وإلى أحد الطرفين) ؛ وبالنظر لطبيعة التفاعل اللساني وغير اللساني الذي يوجه الكلام ويحدد مساره؛ ففهم الكلام يتم باستحضار شروط إنتاجه المحيطة به؛ خاصة عنصر المتكلم والسامع؛ وهما ركنان لا غنى عنهما ومظهران أساسان في حالات التكلم، المراد به الإقناع. فالخطاب يفترض وجود مخاطب قريب منتبه؛ وهي شروط شخصية زمنية ومكانية، ينبغي توفرها حتى تشتغل المواضعات.
وصانع الكلام له أدوار ووظائف كما للمخاطب؛ وهي تسهم في نجاح العملية التواصلية
(1) ـ طه عبد الرحمان"الحوار والإختلاف، خصائص وضوابط"ص 240.
(2) ـ طه عبد الرحمان"اللسان والميزان"ص 253.
(3) ـ التهانوي"كشاف اصطلاحات الفنون"2/ 291.