الصفحة 32 من 64

الإقناعية وتوجيهها وتحديد مشاربها الدلالية والتداولية؛ فالنظر إلى الخطاب يستلزم مراعاة المخاطِب والمخاطَب، ووجوه العلاقة بين صاحب الخطاب والمخاطَب، والنظر إليه كما هو متداول طبيعيا. والاعتناء بشروط تحقيق الخطاب طبيعيا، من وجود مخاطِب ومخاطَب ومعرفة المخاطِب لمقاصد المخاطَب، ووجود قضية أو فعل يكون مناط التواصل.

وتحقيق الفائدة شرط في الكلام الإقناعي بين المتكلم والمخاطب؛ فما كانت فيه الفائدة جاز الكلام به وحسن، ومالم يكن فيه الفائدة لم يحسن؛ وهي فائدة مشروطة لتحقيقها بخاصية نفسية عقلية تحصل عند المخاطب؛ وهي قابلية الاستنكار؛ نظرا إلى ما تحمله من جديد غير متوقع أو معتاد، وألا يكون من قبيل (السماء فوقنا والأرض تحتنا) .

والجمل الخالية من الفائدة تشبه الجمل الغامضة التي تدل مثلا على العموم كـ:

ـ كل إنسان يحب بعض الناس. Every one loves Someone

التي تتألف من حد عام في صيغة النكرة (كل إنسان) أي لا تحدد إنسانا بعينه، ومثله (بعض الناس) ، فبعض وكل من ألفاظ العموم كما ورد عند الأصوليين؛ وهي سور القضية كما عند المناطقة. فكما أنها لا تقدم فائدة للمخاطب، لا يستفاد من أمثلة (سيبويه) : (كان رجل من قوم عاقلا) (كان رجل ذاهبا) فائدة للمخاطب نظرا لما في النكرة من عموم [1] .

ومما ينبغي مراعاته ضابط (المعرفة المشتركة) ؛ فهي شرط من شروط التواصل الإقناعي بين المتكلم والمخاطب؛ ولهذا الضابط في أي حوار مقتضيان:

ـ في صورته العامة: يثبت الرأي بالبناء على المعارف والأحكام المشتركة.

ـ في صورته الخاصة: اجتهد في إثبات دعواك؛ بالاستناد إلى أقوى المقدمات المشتركة. ودرجة الاشتراك في هذه الحقائق، ليست واحدة؛ فمنها ما يعد إنكاره خروجا عن طور العقل؛ ومنها مايعد القدح فيه خروجا عن مقتضى العادة [2] .

ومما ينبغي مراعاته في الكلام أن المتكلم قد يترك الجواب في بعض السياقات؛ لعلم المخبر به، وذلك أن العرب درجت على ترك الجواب كما في الآية القرآنية:

{حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} [3] .

فتقديرها وتعليلها أن الجواب حذف لأنه وصف لثواب أهل الجنة؛ فدل ذلك على أنه أمرلا

(1) ـ ينظر مقبول إدريس"البعد التداولي عند سيبويه"ص 262.

(2) ـ طه عبد الرحمان"الحوار والإختلاف، خصائص وضوابط"ص 250 ـ 251.

(3) ـ الزمر/ 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت