يستوعبه الوصف. كما أن المخاطب يعلم أن الموقف غير متصور بالتفصيل من جهة خروجه عن دائرة المعقول المتعارف عليه في عالم الشهادة؛ أما على جهة الإجمال فقد حصل عنده الفهم العام؛ وذلك اعتمادا على قدرته في تدارك ما أضمر في الكلام، وفي استحضار أدلته السياقية، ومعلوم أنه على قدر ما يأتي المتكلم من الإضمار، يأتي المستمع من الجهد في الفهم [1] .
فالغالب على المتكلم ألا يذكر في كلامه إلا ما كان يعلم أن المستمع يحتاج إلى معرفته ليتبين الفائدة منه؛ معتمدا في ذلك على قدرة المستمع على استحضار المحذوف؛ إما لوضوحه وإما لقربه أو لشهرته؛ فتكون عناية المتكلم المقنع بالكلام على حسب حال المستمع من الإدراك، وعلى قدر مشاركته له في بعض الفوائد والمعلومات، فيضمر ما علمه المخاطب ويظهر ما جهله وغاب عنه [2] .
ومما يدل على أهمية بلاغة الصمت والإضمار كثرة وتعدد مظاهر التداخل والتفاعل بين المكونات اللسانية للخطاب ومكونات التخاطب، إلى درجة أن المتكلم لا يضطر للتعبير لسانيا إلا عن العناصر التي لا يحتويها المقام؛ فكلما كان المقام مغنيا في التدليل على تلك المعلومات، وجد المتكلم المقنع نفسه في غنى عن التعبير عنها لغويا. فجهاز التحاور يحكم قوانين الحدث التخاطبي؛ لأن مبدأ التفاهم هو المعيار الذي يضبط طاقة التصريح والاختزال في الكلام؛ لذلك يقوم التناسب بين الطاقة التصريحية ودرجة علم السامع بالمضمون الدلالي للرسالة؛ فكلما كان المخاطب السامع مستطلعا المضمون الخبري، كلما أمكنت الطاقة الاختزالية. وكلما لم يتعين الحد الأدنى من القرائن المفضية إلى إدراك المختزل، تعذر الاعتماد على الطاقة الإيحائية في اللغة.
ويترتب على ذلك أن المسافة الفاصلة بين المخاطَب والمتكلم والغائب في الواقع التداولي، تحسن بتقديم ضمير المتكلم فالمخاطب ثم الغائب؛ فـ «إنما كان المخاطَب أولى بأن يبدأ به من قبل أن المخاطَب أقرب إلى المتكلم من الغائب؛ فكما كان المتكلم أولى بأن يبدأ بنفسه قبل المخاطَب، كان المخاطَب الذي هو أقرب من الغائب أولى بأن يبدأ به من الغائب» [3] .
وإذا كان الحذف من مزايا ومقاصد المتكلمين؛ لأجل التخفيف من كلفة القول وثقله بعد التواضع على العلم بالمحذوف وترك القرينة الدالة على الحذف؛ فإنه ليس يجوز في أي محل ومن
(1) ـ طه عبد الرحمان"اللسان والميزان"ص 112.
(2) ـ طه عبد الرحمان"المرجع نفسه"ص 150.
(3) ـ سيبويه"الكتاب"2/ 364.