دون مناسبة وعند افتقاده لشرطه؛ لما يسببه من تلبيس على المخاطب.
واللبس قد يعود لأسباب تركيبية؛ وقد يكون لبسا مجازيا، يكون ملازما للتراكيب المجازية والاستعارية التي تعد من صور التوسع في اللغة.
وهناك (اللبس الإنجازي Illocutoire) الذي نجم عن دلالة اللغة مقاميا وسياقيا على قيم إنجازية، مخالفة لتلك القيم التي تدل عليها بمقتضى مؤشرات القوة الإنجازية التي تدخل في تكوين البنية اللسانية لتلك الملفوظات [1] .
فخرق قاعدة من قواعد التخاطب، يحدد المواطن والمقامات التكلمية التي قد ينشأ فيها اللبس؛ انطلاقا من المشترك اللفظي، ومرورا بالتراكيب التي يجري فيها الحذف أو التقديم والتأخير وغير ذلك مما يسمح به النسق اللغوي العربي بشرائطه وقيوده، وانتهاء بما يقتضي العناية والإهتمام بالسياق والمقام في لغة المتخاطبين. وبهذا ينبغي الالتزام بقواعد التخاطب التي يقوم شق منها على مراعاة الأوضاع والمقاصد؛ وإلا كان العادل عن ذلك ملغزا تاركا لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم [2] .
ومع أن القصدية أساس في كل كلام؛ لأن الأصل في الكلام القصد؛ فلابد من مراعاة (المواضعة) ؛ فالمواضعة والقصد كلاهما ضروريان؛ فمع الجهل بالمقاصد لا يمكن أن يستدل بكلام المتكلم على مايريده؛ لأن المواضعة وإن كانت ضرورية لجعل الكلام مفيدا؛ فليست تكفي؛ إذ يلزم اعتبار حال المتكلم بمافيه قصده.
ومفهوم القصد والمقصدية؛ من المفاهيم التي حظيت باهتمام فلاسفة اللغة وعلماء النفس. والقصد من المفاهيم أيضا التي استأثرت باهتمام الفقهاء واللسانيين والفلاسفة والمتكلمين وعلماء البلاغة؛ فهو جزء من إشكالية أعم، تبحث فلسفة الفكر وتهتم بها أشكال النشاط العلمي بما فيها علم التشريح؛ سعيا لاستكشاف بواعث الكلام وآلياته النفسية والجسدية. وقد نص التهانوي على أن «أهل العربية يشترطون القصد في الدلالة؛ فما يفهم من غير قصد من المتكلم لا يكون مدلولا للفظ عندهم؛ فإن الدلالة عندهم في فهم المقصود؛ لا فهم المعنى مطلقا؛ بخلاف المنطقيين، فإنها عندهم فهم المعنى مطلقا؛ سواء أراده المتكلم أولا؛ فظهر أن الدلالة تتوقف على الإرادة مطلقا؛ مطابقة كانت أو تضمنا أو التزاما» [3] .
(1) ـ ينظر مقبول إدريس"البعد التداولي عند سيبويه"ص 266.
(2) ـ سيبويه"الكتاب"1/ 308.
(3) ـ التهانوي"كشاف اصطلاحات الفنون"2/ 291.