لقد كان الحافز التعليمي التبسيطي عاملا في الإجراء الذي يروم وضع أطرمرجعية يستند إليها لضبط أي ظاهرة وتحديدها وتبويبها ونمذجتها؛ لإدراكها بسهولة.
ولهذا فالوعي بتصنيف الأجناس الأدبية؛ ضرورة لامناص منها في أي خطاب تربوي إقناعي؛ حيث يتعين على المقنع إيجاد صيغة تجميعية نسقية لمجموع النصوص التي يعتمد عليها في عملية الإقناع؛ بناء على السمات المميزة لكل نوع.
وينطلق مبدأ التجنيس من مسلمة أن الأدب ليس مجرد ركام من النصوص المفردة؛ فالعلاقات التي تربطها هذه النصوص فيما بينها تشكل نسيجا، يصعب معه تصور أي نص أدبي منفصل عن الأعراف والقواعد التي تبنيه؛ بحيث لا يوجد خارج نطاق معيار أو إطار جنسي، يتقيد به أو ينزاح عنه.
فمن منظور الإنتاج تتكون النصوص عبر مسار ممتد فيه من التغاير والتماثل والنسخ والفسخ؛ مما يجعل منه نسيجا جوهريا يتسم بوشائج بنيوية وتيمية وخطابية، في انتظام متجدد. ومن منظور التلقي فإعادة بناء النص تفترض إدراك القارئ لهذه الوشائج وتفريد ذلك النص على خلفية تجربته الأدبية.
فالتصنيف «عملية تجريدية لترتيب الأشياء، عبر جمع الحقائق وتنظيمها في وحدات ذات علائق اندماجية وتراتبية وفق مقاييس تمكن من استخلاص نظام ما» [1] .
فمع استعصاء التحديد الجامع المانع للظاهرة الأدبية التي تتميز بالتشعب، وتكسير الأطر؛ باعتبارها ظاهرة إنسانية، تنفلت من كل محاولة تصنيفية علمية ودقيقة. ونظرا لتعدد وجهات النظر بخصوص عملية التصنيف، والمرجعية التصورية الفلسفية والزخم المعرفي والمعايير والأهداف المسطرة في نمذجة النصوص، يبقى المقياس والمنهج المعتمد، والقصد المروم، والصعوبة المواجهة، أسئلة متنوعة الأجوبة و «على الرغم من تنوع الأجوبة حول أسئلة الأجناس عبر التاريخ، فإن هذه الأسئلة بقيت هي ذاتها تقريبا:
ما هي المقاييس التي تسمح بتمييز الأجناس وتصنيفها؟
إن هذه الأسئلة تعني الاحتفاظ بنوع من الاعتبار لمفهوم الجنس ذاته. والحال أن النقد المعاصر
(1) ـ سعيد علوش"معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة"ص 78.