الصفحة 29 من 64

وذلك قصد الإقدام على فعل ما أو تركه؛ مما يجعل الحجاج خاصية للخطاب، القائم على سلسلة من الحجج المترابطة أو على مجموعة من الحجج المتواكبة التي يقصد بها استمالة المخاطب للقبول والاعتقاد بصواب ما يدعيه المحاجج.

اعتماد الحجاج في الخطاب التربوي الإقناعي؛ معناه الأخذ بموضوع أضحى علما قائما بذاته، متفاعلا مع أبحاث معاصرة منجزة في علوم اللغة والمنطق والفلسفة، مدعوما من جهة أخرى بنظريات معرفية ضابطة لوجوه استعمالاته في مجالات معرفية مختلفة. وبهذا توسع نطاق الحجاج؛ ليمتد مجاله لخطابة جديدة غير متعلقة بالمنطق الصوري ومجالات معرفية تقليدية؛ وإنما خطابة تهتم بوسائله التي لا تقتصر على استقطاب الآخر وتحفيزه على تبني الأطروحات المعروضة عليه.

فليس من المهم أن تفيد الحجة البرهان؛ فهي الدليل نفسه؛ لأن المطلوب إفحام السامع، ولا يراد منها إفادة المعنى القاطع؛ فالحجة الإقناعية «هي التي تفيد القانعين القاصرين عن تحصيل المطالب بالبراهين القطعية العقلية، وربما تفضي إلى اليقين بالاستكثار» [1] .

ومن خصائص الاستدلال الحجاجي؛ فاعليته الخطابية، التي تروم تحقيق الإفهام والإقناع؛ وبنيته الاستدلالية التي تتميزعن بنية الاستدلال البرهاني، بصور استدلالية أوسع وأغنى من صور الاستدلال البرهاني؛ فليس شرط البرهانية في الاستدلال هو ما يقود لحصول الاقتناع الذي يؤدي للعمل. فقد تستوفى برهانية الدليل، ولا يوازيها تغيير اعتقاد المخاطب واقتناعه؛ مما ينزع عن البرهان ميزة الأفضلية عن الاستدلالات الأخرى، في إفادة الإقناع والإقدام على العمل. «فالحجة الجدلية البالغة، على ما قد يشوبها من اعتلال في الصورة، خير من البرهان الصحيح غير المقنع» [2] .

لذلك فالاستفادة من الاستدلال الاحتجاجي الطبيعي يغني الخطاب التربوي الإقناعي الذي يروم تحقيق الكفايات في المخاطبين؛ إذ يضع بين يدي المُخاطِب المُوجِّه عدة تمتح من حجاجية الاستدلال الذي ينبني على قواعد وقوانين منطقية طبيعية وغير صناعية؛ لها دورها في دعم اكتساب الكفايات المقصودة.

وحجاجية الاستدلال تتميز بـ:

ـ إذعان المخاطب الموجَّه (المتلقي) لمايطرح عليه من أفكار وآراء، ودفعه للعمل، هو الهدف من

(1) ـ أبو البقاء الكفوي"الكليات"ص 406.

(2) ـ طه عبد الرحمان"في أصول الحوار وتجديد علم الكلام"ص 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت