ومجيئك للصلاة مبكرًا، تمشي الهوينا بسكينة ووقار، سبب لنشاط جوارحك، ولإنشراح صدرك، وخشوع قلبك، وغذاء روحك، وتزكية نفسك، وراحة بالك، ونور وجهك، وقربك من ربك، إذ أقبلت إليه تمشي فأقبل إليك هرولة، وفي الحديث القدسي يقول الرب سبحانه: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) [1] .
فيا عبد الله دع عنك التباطؤ عن تكبيرة الإحرام، وسارع في إدراكها، وجاهد نفسك مرة بعد مرة، وحاول ولا تيئس، حتى تصير تكبيرة الإحرام والمواظبة عليها ديدنك، وكن قوي العزيمة، عالي الهمة، وإذا هممت فبادر، وإذا عزمت فثابر، وأعلم أنه لا يدرك المفاخر، من رضي بالصف الآخر، وقوة العزيمة وعلو الهمة شأن السابقين المكرمين، والسابق لا يرضى إلا بالصف الأول، ويأبى أن تفوته تكبيرة الإحرام ولو مرة واحدة، ولا يرضى أن يكون مسبوقًا في صلاته، ومن يسعى لإدراك تكبيرة الإحرام، فقلما تراه مسبوقًا بركعة، ومن كان جل همه إدراك صلاة الجماعة - وإدراكها يكون بإدراك الركعة الأخيرة - فما أكثر ما تراه مسبوقًا، وربما فاتته الصلاة.
وإذا فاتتك مرة تكبيرة الإحرام، وأصابك هم وغم شديد، وخشيت على نفسك النفاق، فأقبل إلى الله بصدق، واشكو إليه بثك وحزنك على فواتها، فهو سبحانه بارئ الأنفس ومغيرها ومزكيها، وخالق القلوب ومقلبها، ومن صدق الله صدقه، ومن وفى وفي له.
أما من جهل أن الصلاة أمن وأمان، وسكينة وإطمئنان، فضلًا عن جهله بفضل المواظبة على تكبيرة الإحرام، أو علم هذا وتأوله تأويلًا خاطئًا، أو علمه جيدًا، لكنه لم يجاهد نفسه صادقًا في الإقبال إلى الله، ولم يواظب على تكبيرة الإحرام، فأنّى لنفسه أن تتغيير وتزكو وترقى وتسمو نحو الأفضل والأمثل؟.
(1) رواه البخاري ج 6/ 2694 رقم 6970، ومسلم ج 8/ 62 رقم 6981.