الأزقة الضيقة. كانت الأمطارُ خَيْطًا بلا ذيل. أغلقنا الأبواب. جلسنا نتحدث. الإبريق ينظر بكبرياء إلى الكؤوس. الحديث في مد وجزر. الأب يقول:"تَكَسّرَ زجاجُ الشمس في هذه الأيام. ذراتُها بعثرتها الريح". الإبن يقول:"عيونُك سوداء". الحديث في مد وجزر. يُضيف الأبُ حفنة من السُّكّر إلى إبريق الشاي. يعود الحديث إلى مد وجزر. الأب يقول:"كيف يُمكن نتف الطواويس الجاثمة فوق صدور الطوال الأقدام؟". فردٌ من الأسرة يقول:"اسقنا الشاي". الحديث في مد وجزر. يُضيف الأبُ حَفنة من السكر إلى الإبريق. الراديو يزرع الصمت في البيت. تمثليلية هزلية تلتصق كالأقراط ... يُضيف الأبُ حفنة من السكر. ويظل المطرُ يُثرثر في الأحياء. تتراكم الأوحال عند عتبة الدار. تتأنث أحاديثنا. انتشر العطرُ في البيت. موعد سهرة الأسبوع حان. أفرغ الأبُ الإبريق ... انفتحت الأفواه. استدارت العيون. كانت الكؤوس ملأى بالدم) [1] .
وإذا كان الرعيل الأول من رواد القصة القصيرة قد انتقل إلى كتابة القصص القصيرة جدًا، وكان يسميها بالأقصوصة؛ كما عند محمد إبراهيم بوعلو في مجموعته القصصية (50 أقصوصة في خمسين دقيقة) ، فإن هؤلاء المبدعين القصاصين الأوائل لم يكتبوها عن وعي وإدراك، بل كتبوها من غير وعي وقصد منهم بأنهم يكتبون القصة القصيرة جدًا، وبشكل تجريبي محتشم، ولم يؤسسوا من خلال هذه المحاولات القليلة، التي تعَد على أصابع اليد عند بعض الكتاب من هذا الرعيل، ما يسمى فعلًا بجنس القصة القصيرة جدًا، كما نجد ذلك عند الرعيل الثاني من كتاب القصة القصيرة جدًا الذين كانوا واعين بهذا الفن الجديد تنظيرًا وتطبيقًا وإبداعًا. وأكثر من هذا، فما كتبه محمد إبراهيم بوعلو ليس قصة قصيرة جدًا، بل هو أقصوصة تتعدى الصفحة الواحدة. في حين، لا تتعدى القصة القصيرة جدًا نصف صفحة.
(1) جميل حمداوي: دراسات في القصة القصيرة جدًا، م. س، ص: 13 - 14.