والناظر في نصوص ميمون حِرْش يُلاحظ أن القاص انشغل، في كثير من قصصه، بالحديث عن تلك التناقضات والمفارقات التي تحفل بها حياة كثير من الناس في مجتمعه. فهو يلتقط صورًا من واقع المجتمع تشي بقصورٍ في الفهم، وسفهٍ في العقل، وجهلٍ مركّب عند كثير من الناس، وهو ما جعل الكاتب يَجد نفسه مُرغمًا على أن يتسلح بالحس النقدي الساخر، واللهجة اللاذعة التهكمية للكشف عن عيوب المجتمع واختلالاته. ولا عجب، فقد اتخذ الأدباء منذ القدم السخرية وسيلتهم لنقد العيوب البشرية والاجتماعية.
غير أن هذه السخرية التي حفلت بها المجموعة ليست مجانية؛ فإذا كانت سخرية تبعث على الضحك، فإنه ضحك مرير موجع، كثيرًا ما ينتهي بالألم والتحسر إذا وصلت الرسالة المراد إيصالها.
ففي قصة"طبيب شعبي"يبني القاص مفارقته، التي تستند إلى إبراز تناقض الشخصية ونفاقها، على السخرية المرة. فالتناقض في هذه القصة يَخلق مفارقة عجيبة نمارسها جميعًا، لكن بأشكال مختلفة، ولا نخجل بعد ذلك إن خالفت أقوالنا الأفعال. لذا نُعجب بهذه القصة وتستوقفنا عند تصفح المجموعة، ربما لأن كل واحد منا يجد فيها نفسه بشكل من الأشكال.
فالطبيب الشعبي، كما تقول القصة، كان دائمًا يزعم بأن الطب الحديث أذهب البركة، ويهمس في آذان الوافدين عليه بأن الأطباء مجرد سماسرة، لكن حين ألَمَّ به المرض، هرع إلى الطبيب المختص، واصْطف مع الناس يُريد الدخول إليه، وهو الذي كان بالأمس يهجوه، ويُحذر الناس من الذهاب إليه. فلما استغرب أحدهم وجوده بينهم، تذرع الطبيب الشعبي بأنه جاء من أجل أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر!. تقول القصة:
"يشيع بين مرضاه بأن الطب العصري طرد"
البركة
وأن الأطباء هم مجرد سماسرة ..
حين اشتد على"الزغبي"المرض زار أول طبيب