المبرأة من كل عيب وسوء، وظن بخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والإلاهية [1] . كيف وقد قال الله - تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) ، قال الطبري - رحمه الله: وإنما يعني بذلك أنه كان يعاجله بالعقوبة، ولا يؤخره بها. أ. هـ. وقال الزمخشري - رحمه الله: والمعنى: ولو ادعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معالجة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول: وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته. وخص اليمين عن اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف - وهو اشد على المصبور لنظره إلى السيف - أخذ بيمينه. أ. هـ
وقال - تعالى: (وإذا تتلى عليهم آيتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله * قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآى نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون * فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) .
قال ابن تيمية - رحمه الله: وأما من يكذب على الله، ويقول - أي يدعي - أنه نبي: فلو أيده الله تاييد الصادق، للزم أن يسوي بينه وبين الصادق. فيستوى الهدى والضلال، والخير والشر، وطريق الجنة وطريق النار. ويرتفع التمييز بين هذا وهذا. وهذا مما يوجب الفساد العام للناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم. ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم: بقتال من يقاتل على الدين الفاسد من أهل البدع، كالخوارج. وأمر بالصبر على جور الأئمة. ونهى عن قتالهم والخروج عليهم. ولهذا قد يمكن الله كثيرًا من الملوك الظالمين مدة. وأما المتنبئون الكذابون، فلا يطيل تمكينهم. بل لابد أن يهلكهم. لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة. قال - تعالى: (ولو تقول علينا بعض
(1) انظر في بيان ظن السوء وظن الجاهلية في زاد المعاد، لابن القيم ج 3 ص 205 وما بعدها.