وقال أبو ذر - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله، الرجل يحب القوم لا يستطيع أن يعمل بأعمالهم؟ قال: (أنت يا أبا ذر مع من أحببت) ، قال: قلت: فإني أحب الله ورسوله. يعيدها مرة أو مرتين. رواه الإمام أحمد.
قال ابن رجب - رحمه الله: وأما محبة الرسول: فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به؛ وينشأ ذلك من معرفة مُرسله وعظمته - كما سبق؛ فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله، كما قال - تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) .
ومحبة الرسول على درجتين - أيضًا:
إحداهما: فرض؛ وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضى بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجًا مما جاء به ويسلم له تسليمًا، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئًا من الخير إلا مما جاء به.
الدرجة الثانية: فضلٌ مندوبٌ إليه، وهي: ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه، وفي أخلاقه الباطنه من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائمًا وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر.
وفي الجملة كان خلقه - صلى الله عليه وسلم - القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولًا وعملًا وحالًا وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم: أبو بكر