-خليفته من بعده - وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال - صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم) ، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم، قال: (إي واللذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) .أ. هـ. [1]
قال القاضي عياض - رحمه الله: وحقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه، كحب الصور الجميلة، والأصوات الحسنة، والأطعمة والأشربة اللذيذة، وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليه لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة [2] شريفه؛ كمحبة الصالحين والعلماء وأهل المعروف، والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة؛ فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم، والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، وهتك الحرم واخترام النفوس؛ أو يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه؛ فقد جبلت [3] النفوس على حب من أحسن إليها.
فإذا تقرر هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه - صلى الله عليه وسلم - فعلمت أنه - صلى الله عليه وسلم - جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة:
أما جمال الصورة [4] والظاهر، وكمال الأخلاق والباطن، فقد قررنا منها قبل فيما مر في الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة.
(1) فتح الباري لابن رجب الحنبلي ج 1 ص 53 - 54، الطبعة الأولى، الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة.
(2) المعاني الباطنة: الغير مدركه بالحواس الظاهرة.
(3) جبلت: طبعت وخلقت.
(4) جمال الصورة: جمال الهيئة.