وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله - تعالى - له من رأفته بهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من النار، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين، ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ويتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
فأي إحسان أجل قدرًأ، وأعظم خطرًا [1] من إحسانه إلى جميع المؤمنين؟ وأي إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؛ إذ كان ذريعتهم [2] إلى الهداية، ومنقذهم من العماية [3] ، وداعيهم إلى الفلاح، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم والمتكلم عنهم، والشاهد لهم، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد [4] .
فقد استبان لك أنه - صلى الله عليه وسلم - مستوجب للمحبة الحقيقية شرعًا بما قدمناه من صحيح الآثار [5] ، وعادةً وجبلةً [6] بما ذكرناه آنفًا، لإفاضته الإحسان، وعمومه الإجمال [7] ؛ فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا، أو استنقذه من هلكة أو مضرةٍ - مده التأذي بها قليل منقطع - فمن منحه ما لا يبيد [8] من النعيم، ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب.
(1) خطرًا: قدرًا أوشرفًا.
(2) ذريعتهم: وسيلتهم، والسبب الموصل لهم.
(3) العماية: الغواية والجهالة.
(4) الذي لا ينقطع في الجنة.
(5) وهو مذكور بنحوه قبل كلام ابن رجب.
(6) جبلة: طبيعة.
(7) عمومه الإجمال: تعميم الجميل منه لكل أحد.
(8) لا يبيد: لا يذهب ويفنى.