فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 89

تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [1] .

والآيات الكريمة كما هو واضح من سياقها تدور حول الحديث عن التداول الحضاري والسنة الماضية في إصابة كل من الفريقين، حتى ينقي الله تعالى صف المؤمنين ويدحر فلول الكافرين، وفيها دعوة للمؤمنين إلى النظر في مآل المكذبين والتدبر في عاقبتهم، وفي هذا بيان لأمر الله الماضي في كونه وخلقه، وهدى لمن استجاب له وموعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ثم غرض الآيات الكريمة لتنهى المؤمنين عن الهوان والحزن فهم أعلى بإيمانهم وأرقى بيقينهم وأثبت بصلتهم بربهم جل وعلا، وتبين لهم أن مس القرح قد أصاب عدوهم كما أصابهم، وهذه حكمة الله الماضية في المداولة بين الكفر والإيمان لحكم يعلمها تعالى من مَحْص صفوف الإيمان ومحق جنود الكفر، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ويرى ابن كثير أن اسم الإشارة (هذا) يقصد به القرآن الكريم «ففيه خبر ما قبلكم، وهدى لقلوبكم وموعظة؛ أي زاجر عن المحارم والمآثم، ثم يوضح أمر هذه الحكمة الماضية والسنة النافذة في ضوء الآية الكريمة فيقول: وأنتم (إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح) .

{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} : أي نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت لكم العاقبة، لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [2] .

«وفي هذه الآيات الكريمة إشارة إلى سنة الله الجارية في المكذبين، ليقول للمسلمين: إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة، إنما هو حادث عابر وراءه حكمة خاصة .. فالقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض؛ يردهم إلى الأصول التي يجري وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعًا في الحياة فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافًا إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبدت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما

(1) آل عمران:137 - 141.

(2) انظر: تفسير القرآن العظيم، جـ 1 صـ 408، بتصرف وترتيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت