فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 89

كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين لينالوا النصر والتمكين بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول.

والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أيضا نظرهم إليها هي:

بيان عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ومداولة الأيام بين الناس والأنبياء لتمحيص السرائر وامتحان قوة الصبر على الشدائد، واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين.

إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها، وحاضرها بماضيها فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها، وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم ولم تكن معارفهم ولم تكن تجاربهم قبل الإسلام لتسمح لهم بمثل هذه النظرية الشاملة، لولا هذا الإسلام وكتابه القرآن الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى، وخلق منهم أمة تقود الدنيا.

إن النظام القبلي الذي يعيشون في ظله ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة ومجريات حياتهم، فضلا عن الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها، فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعًا. وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان، إنما حملتها إليهم هذه العقيدة بل حملتهم إليها، وارتقت بهم إلى مستواها في ربع قرن من الزمان .. واتسع تصورهم لها .. ووقع في حسهم التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتهم على التعامل مع سنن الله الثابتة، والاطمئنان بعد هذا إلى مشيئة الله المطلقة» [1] .

هذا وعند تتبع أقوال المفسرين لهذه الآية الكريمة نجد أن بعضهم جعل الآية الأولى والثانية: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} جعلوا هاتين الآيتين تمهيدًا لما بعدها من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك [2] .

ويرفض صاحب المنار هذا التناول ويرى أنه (رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة في موضوعات مختلفة تفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدا لا معنى واحدًا كما قيل، وإن في القرآن في

(1) انظر: في ظلال القرآن جـ 1 صـ 478، 479، بتصرف واختيار.

(2) انظر: تفسير الجلالين، صـ 85، ط دار المعرفة، ط الثالثة 1407 هـ/ 1987 م. وانظر: تفسير القرآن العظيم جـ 1 صـ 408، والكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في= وجوه التأويل جـ 1 صـ 367. ومحاسن التأويل جـ 2 صـ 416. وقل من تعرض لربط الآيات ببعضها بهذه السنة الثابتة كالألوسي في روح المعاني على اقتضاب، جـ 2 صـ 279، ط دار الكتب العلمية، ط الأولى 1415 هـ / 1994 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت