لمصداقيتها) [1] .
من هنا كان الجانب القصصي أغزر الجوانب في القرآن الكريم عناية برصد السنن الماضية، والنواميس السارية في اللاحقين كما سرت في السابقين.
ولقد توفر للقصص القرآني ما يجعله يمضي في نفس الخط الذي يمضي فيه قانون الله تعالى في السنن؛ فالناظر للقصة في القرآن يجد أنها تأتي عارية عن المثبتات إن صح التعبير التي تجعلها خاصة بزمان معين أو مكان محدد أو أفراد مخصوصين.
فإنها لا تتعرض حتى لذكر العلامات الظاهرة التي تجعل القصة قصرا على صاحبها؛ بل يتعدى مفعولها وفائدتها إلى كل من انطبقت عليهم صفات صاحب القصة.
أضف إلى ذلك أن كل قصة ترد في القرآن الكريم تعقب بآية أو آيات قليلات فيها خلاصة القصة، وتسرية معانيها وفوائدها إلى التالي من بعد.
وقصة يوسف - عليه السلام - على طولها وعرضها تختم بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُّفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} [2] . وكل موقف من مواقف القصة يعقبه تعقيب سريع لقوله تعالى عقب الحديث عن التقاط يوسف وأخذ السيارة له {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [3] فقوله تعالى: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} كأنها قانون مطرد وسنة عامة بعد الحديث عن جانب من جوانب قصة يوسف عليه السلام، وكقوله تعالى في السورة الكريمة نفسها بعد الحديث عن نجاة يوسف من شَرَك امرأة العزيز: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [4] بما يشبه أن يكون قاعدة عامة {وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} .
(1) انظر: القصص القرآني .. إيحاؤه ونفحاته، للدكتور فضل حسن عباس، ص 10، 11، بتصرف واختيار، ط دار الفرقان، ط الثانية 1413 هـ، 1992 م.
(2) يوسف: 111.
(3) يوسف: 21.
(4) يوسف: 52.