وكذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [1] . وذلك بعد الحوار الذي دار بين يوسف - عليه السلام - وإخوته وإظهار أمره عليهم، وانتصار الحق على الباطل.
وإذا انتقلنا إلى مَثَل آخر نجد قصة قارون تختم بقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [2] وذلك بعد القصة التي حوت حلقات من الصراع بين الحق والباطل، وحوارات دائرة مائرة بين الذين يريدون الحياة الدنيا والذين أوتوا العلم إلى غير ذلك، وهكذا كل قصة من القصص القرآني تمضي على هذا الطريق وتنسج على نفس المنوال.
«ذلك أن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير؛ لأن وراءها سنن ثابتة تحركها وتكيفها، ولهذا قال الغربيون: التاريخ يعيد نفسه. وعبر العرب عن هذا المعنى بقولهم: ما أشبه الليلة بالبارحة. وأفصح عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [3] .
وقد أشار إلى تشابه المواقف والأقوال والأعمال نتيجة لتشابه الأفكار والتصورات التي تصدر عنها، وفي هذا جاء قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [4] وقال عن مشركي مكة: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [5] [6] .
ولذلك فإن القرآن الكريم يكثر في قصصه الأمر بالعظة والاعتبار والسير والنظر، وإعطاء النظير حكم نظيره؛ ذلك لأنه يحدث للاحق ما حدث للسابق في عموم واطراد.
ومن ذلك قوله تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [7] تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا
(1) يوسف: 90.
(2) القصص: 83.
(3) آل عمران: 140.
(4) البقرة: 118.
(5) الذاريات: 52، 53.
(6) مدخل إلى دراسة السنن الإلهية في القرآن الكريم، صـ 51، مرجع سابق.
(7) الأعراف: 176.