ومن تدبير الله لعباده أن ضرب لهم الأمثال من أنفسهم فخاطبهم بها ليعقلوا ويدركوا ما غاب عن أبصارهم وأسماعهم الظاهرة، ومن عقل الأمثال سماه الله في كتابه (عالما) [1] .
وذكر رائد البلاغة عبد القاهر الجرجاني أن التمثيل (إذا جاء في أعقاب المعنى كساها أبهة وأكسبها منقبة ورفع من أقدارها، وشب من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، واستثار بها من أقاصي البلاد والأفئدة صبابة، وكلف وقر الطباع على أن تعطيها محبة وشفافا، فإن كان مدحا كان مدحا أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم، وأهز للعطف وأسرع للإلف، وأجلب للفرح وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بعز المواهب والمنائح، وأسير على الأنس وأذكر وأدلي بأن تعلقه القلوب، وأجدر وإن كان ذما كان مسه أوجع وميسه ألذع، ووقعه أشد، وحَدّه أحد. وإن كان حجاجا كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر. وإن كان افتخارا كان شأوه أبعد، وشرفه أجد، ولسانه ألد.
وإن كان اعتذارا كان إلى القبول أقرب وللقلوب أخلب وللسخائم أسل، ولضرب الغضب أقل، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث.
وإن كان وعظا كان أشفى للصدر وأدعى للفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغاية ويبصر الغاية، ويبرئ العليل، ويشفي الغليل [2] .
وقد حرصت على ذكر كلام إمام البلاغة وأسرارها عبد القاهر الجرجاني لروعة تصويره لفوائد المثل التي لا تحصى وثماره التي لا تنتهي.
وقد حرص القرآن الكريم على تصوير معانيه وعرض قضاياه بأقرب صورة وأوضح سبيل، فجاءت أمثاله متكاثرة بأنواعها المختلفة وصورها المتعددة، وتضمنت هذه الأمثال بتركيبتها المعروفة عددا من السنن الثابتة والقوانين الماضية، حتى لا يكاد يخلو مثل من أمثال القرآن الكريم من الإشارة إلى سنة أو التعقيب على قانون، ولم لا وأصل وظيفة المثل في مضربه تصوير حالة حاضرة بحالة ماضية، وإعطاء اللاحقة حكم السابقة لتشابه أطرافها واتحاد أحوالها. وكثر في القرآن ضرب الأمثال وكثر ربطها بالعظة والاعتبار؛ فقد ورد المثل في القرآن الكريم ما يزيد على مائة مرة، وهذا بلفظ المثل صراحة عدا الصور الأخرى التي ورد عليها المثل في القرآن الكريم، ودعا القرآن الكريم إلى الاعتبار بالأمثال فقال تعالى: وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
(1) الأمثال من الكتاب والسنة، للحكيم الترمذي، ج 1 ص 2، دار التراث، تحقيق د/ محمد علي البيجاوي.
(2) أسرار البلاغة، للإمام عبد القاهر الجرجاني، بتعليق السيد رشيد رضا، صـ 84، 88، ط محمد علي صبيح، ط السادسة 1379 هـ، 1959 م.