فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 89

فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [1] فكان الدافع إلى السير النظر والتعقل، ومن معاني العقل الربط؛ أي ربط المعنى والعظة الماضية والانتفاع بها في الأوقات الحاضرة، ومن هنا نعى الله تعالى على الأبصار التي لا تعي، وأثبت أنها قد ترى لكنها لا تعقل، وقد تكون مفتوحة وترى لكنها لا تنتفع {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

وتأتي بعد هذه الآية الكريمة سنة من سنن الله تعالى في الخلق، وهي سنة عدم إخلاف الله وعده ووارده بعد الحديث عن تكذيب قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم موسى، والقرى التي أهلكت وهي ظالمة.

وكذلك قوله تعالى في سورة الروم: {أَوَ لَمْ يَسيِرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [2] .

فالآية الكريمة تغري الناس بالسير في الأرض والنظر في عاقبة الذين من قبلهم، وما كان لهم من قوة أشد من قوتهم وآثارهم التي عمروا بها الأرض، وقد جاءتهم الرسل بالبينات فما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم بتنكبهم الطريق المستقيم والصراط السوي، والآية الكريمة واردة بعد سنة من سنن الله تعالى في الخلق وهي سنة النصر؛ فقد تحدث صدر السورة عن غلب الروم في أدنى الأرض وأنهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، وذلك لأن الأمر كله لله من قبل ومن بعد، وهو الذي ينصر من يشاء فهو العزيز الذي لا يغالب الرحيم ينصر الحق على الباطل، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة التي تحث على السير في الأرض والتفكر فيها، وورد الأمر بالسير صراحة في ست آيات كريمة، وقد عقب كذلك التعليق على الغابرين ومهالك الظالمين، والتعقيب على سنن الله الماضية التي تطرد في الأمم والأفراد دون مجاملة ولا محاباة.

فمثلا في سورة النحل يقول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

(1) الحج: 46.

(2) الروم: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت