فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 89

من هنا نستطيع أن نقول: إن النظام والتوازن يمضي في كل مظاهر الكون وجوانبه من أصغر الأشياء إلى أكبرها، وهذا التوازن ينسحب بطريقة مطردة على العلاقة بين الكائنات بعضها ببعض، ونلحظ في هذا الانسجام الساري بين أجزاء الكون بما فيه ومن فيه روح العناية التي لا تغفل عن حفظ هذا الكون ورعايته.

وهذا التوازن بين عناصر الكون وشرائحه هو سنة الله تعالى التي دبر بها الكون وعليها أدار فلك نظامه الإلهي البديع، وهذا التوازن هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وهو الحق الذي خلقت به الحياة، ومن أبدع ما عبر به البيان القرآني من سنة الله العامة في الكون ما لقن الله تعالى كليمه موسى - عليه السلام - في جواب التعنت الفرعوني إذ يقول حاكيا للسؤال والجواب في أوجز أسلوب إعجازي: {قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [1] .

والتعبير بـ {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ} بيان لسنته تعالى في توازن عناصر كل مخلوق توازنا جرى على تقدير منسق محكم. والتعبير بقوله (ثم هدى) بيان لسنة الله تعالى في توازن التمكين الذي أوتيه كل مخلوق في طرائق عيشه وضوابط حياته [2] .

وآيات القرآن الكريم توحي بهذا التوازن المطرد والنظام الدقيق الذي ينتظم الأشياء جميعها صغيرها وكبيرها على حد سواء، وتقع بعض التوجيهات القرآنية مرتبطة بهذا التوازن موقع المعلل من التعليل، فيترتب على إدراك هذا التوازن إدراك عظمة فاعل هذا التوازن. واقرأ معي إن شئت قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [3] .

إن الثناء على الله تعالى بعد الأمر بتقديس اسمه الذي انبثقت منه سننه الكونية في تدبير ملكه وتربية خلقه بأنه قدر خلق كل خلق وسواه في أوضاع عناصره تقديرا متوازنا مع سائر عناصر الكون والحياة، بيان لسنة الله تعالى في نظامه الأبدي للكون. والثناء على الله سبحانه بأنه قدر خلق كل من خلق وسواه في صورة لا تتكرر وهي في موضعها من الحياة والكون، تؤدي مهمتها التي لا تؤديها صورة أخرى في مخلوقات الله، بيان لسنة التوازن الأبدي في خلق الله، وبيان لارتباط حياة كل مخلوق في طريقة عيشه بطبيعته وخلقته التي أبدع

(1) طه: 50.

(2) سنن الله في المجتمع من خلال القرآن، للمرحوم الشيخ محمد الصادق عرجون، ص 16, ط الدار السعودية، ط الثالثة، 1404 هـ - 1984 م.

(3) الأعلى: 1 - 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت