عليها [1] .
الإحكام والانضباط:
وإذا كانت الجوانب الكونية ومظاهر الحياة تمضي بنظام مطرد واتزان ثابت، فهي أيضا تمضي بإحكام وانضباط منقطع النظير، هذا الإحكام الذي يقابل الاطراد في سنن الله في البشر وإن ظهر ذلك في الجوانب الكونية بصورة مادية صارخة لم يكن في جانب السلوك البشري واضح النتيجة للعيان، على الأقل بهذه الحدة والصرامة. فالواقع الإنساني ليس منضبطا كواقع المادة؛ فالعنصر الروحي في تكوين الإنسان والإرادة الحرة جعلا هذا الواقع يتصف بكثير من الخفاء والغموض في العوامل والأسباب التي تنشأ عنها الظواهر السلوكية، الأمر الذي يجعله عصيا عن الفهم اليقيني والاطراد الصارم؛ خاصة أن الإنسان هو أداة التحليل ومحله في وقت واحد، بينما في إطار المادة والكون؛ فالإنسان هو أداة التحليل أما المحلل فآخر منفصل عنه، وهذا لا يعني أن حركة الإنسان ونهوض الحضارات وسقوطها يسير بشكل عشوائي عبثي، خالية من كل قانون ثابت؛ بل هي محكومة بقوانين عامة تحكم توجيهاتها ومساراتها العامة [2] .
وهذا الإحكام والانضباط الذي يسير في جوانب الكون يتسم بالعموم والشمول فإذا نظرنا إلى نماذج من مظاهر هذا الكون أو بعض العمليات التي تحدث داخل هذه المنظومة الكونية مثل الانصهار الذي تتحول فيه المواد الصلبة إلى حالة سائلة، والذوبان الذي تتحول فيه المادة الصلبة إلى جزء من السائل، والتجمد الذي تتحول فيه المادة السائلة إلى حالة صلبة، والترسيب الذي تتحول فيه المادة الذائبة إلى مادة صلبة، والتبخير الذي تتحول فيه السوائل إلى حالة غازية، وغير ذلك من العمليات الكثيرة التي تقوم وتتم في هذا الكون المنظم المحكم والمنضبط المتوازن.
إذا نظرنا إلى هذه العمليات أدركنا تمام الإدراك أن الكون قائم على الإحكام المتقن والانضباط التام، وصدق الله تعالى إذ يقول: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [3] .
فلا يمضي ذلك بطريقة عشوائية عبثية «وإنما يمضي حسب قوانين وأحكام وقواعد تبينها كتب خواص
(1) سنن الله في المجتمع من خلال القرآن الكريم، صـ 17، 18، مرجع سابق.
(2) انظر مراجعات الفكر والدعوة والحركة، للأستاذ عمر عبيد حسنة، صـ 9. وانظر: مدخل إلى دراسة السنن الإلهية، صـ 42، مرجع سابق.
(3) يس: 38.