فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 89

وفي السورة نفسها رصد آخر وربط ثان بين نصرة المغلوب المظلوم المعتدى عليه وبين إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، وذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} [1] والناظر في هذه الآيات الكريمة يجد هذا التوازي بين قوانين الكون وقوانين البشر، فصدر الآيات الكريمة يتحدث عن نصر الله تعالى لمن بغى عليه، وهذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه يأتي بعدها عدد من الدعائم لهذا النصر أو إرشادات لطمأنة هذا المغلوب المظلوم وذلك في الصور الآتية.

1 -الأولى: ذكر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.

2 -الثانية: ذكر أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل.

3 -ذكر صورة الأرض الجرزاء التي ينزل الله عليها الماء فتصبح مخضرة.

4 -ذكر أن الله له ملك السماوات والأرض.

5 -ذكر أن الله سخر للإنسان ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره.

6 -ذكر إمساك الله السماوات أن تقع على الأرض إلا بإذنه.

فهذه الدلالات الساطعة والإرشادات القاطعة على قدرة الله تعالى على التغيير من حال إلى حال مدخل وبرهان على قدرته تعالى على نصر المغلوب وتمكين المقهور وتغيره من حال إلى حال.

وقد أبدع صاحب (التحرير والتنوير) بحق عندما ألمح إلى هذا الترابط البديع فقال: «والمناسبة الرابطة بين نصر الله من بُغِي عليه فصبر، وإيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، هي الإيماء إلى تقلب أحوال الزمان؛ فقد يصير المغلوب غالبا، ويصير ذلك الغالب مغلوبا، فإن النصر يقتضي تغليب أحد الضدين على ضده، وإقحام الجيش في الجيش الآخر في الملحمة، فضرب له مثلا بتغليب مدة النهار على مدة الليل في بعض السنة، وتغليب مدة الليل على مدة النهار في بعضها، والحاصل أنه لا عجب في النصر الموعود به المسلمون على

(1) الحج: 60 - 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت