فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 89

الكافرين مع قلة المسلمين، فإن القادر على تغليب النهار على الليل حينا بعد أن كان أمرها على العكس حينا آخر قادر على تغليب الضعيف على القوي [1] . وهذا الربط رائع في إيضاح المشابهة بين تغيير حال المغلوب إلى الغالب بحال الليل يولج في النهار والنهار يولج في الليل فيما ذكرته الآيات الكريمة من إيلاج النهار في الليل وإيلاج الليل في النهار سنة كونية ونصر الله للمغلوب أيضا سنة إلهية؛ فالظاهرة الأولى ظاهرة طبيعية تمر بالبشر صباحا ومساء وصيفا وشتاء (الليل يدخل في النهار وهو يطول في مدخل الشتاء، والنهار يدخل في الليل وهو يقصر عند مطلع الصيف. ويرى البشر هذه الظاهرة وتلك، من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، فينسيهم طول رؤيتها وطول ألفتها ما وراءها من دقة النواميس واطرادها، فلا تختل مرة ولا تتوقف مرة وهي تشهد بالقدرة الحكيمة التي تصرف هذا الكون وفق تلك النواميس.

والسياق يوجه النظر إلى تلك الظاهرة الكونية المكررة حتى لا يمر الناس عليها غافلين، ليفتح بصائرهم ومشاعرهم على يد القدرة وهي تطوي النهار من جانب وتسدل الليل من جانب، وهي تطوي الليل من جانب وتنشر النهار من جانب في دقة عجيبة لا تختل، وفي اطراد عجيب لا يتخلف، وكذلك نصر الله لمن يقع عليه البغي وهو يدفع عن نفسه العدوان، إنه سنة مطردة كسنة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، فكذلك يزوي الله سلطان المتجبرين وينشر سلطان العادلين، فهي سنة كونية، تلك السنة يمر عليها الناس غافلين كما يمرون على دلائل القدرة في صفحة الكون وهم لا يشعرون [2] .

وهكذا تمضي الآيات الكريمة في رصد دلائل قدرة الله تعالى، ومن خلالها يتم التطابق بين السنن الكونية الثابتة التي لا تتخلف والسنة الإلهية في الأمم التي لا تتخلف أيضا، وهذا وذاك مطروح أمام الناظرين، ولكن اعتياد الناس أمرا معينا ولو كان ملموسا محسوسا قد يذهلون عنه رغم اطراده وعدم تخلفه، ومن شدة الظهور الخفاء.

وإذا انتقلنا إلى (سورة المؤمنون) - وهي سورة مكية - وجدنا نفس التزاوج الرائع والمزيج الباهر بين دلائل القدرة الرائعة في الأنفس والآفاق واطرادها في قوانين الله تعالى في سلوك البشر؛ فقوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ

(1) التحرير والتنوير، 17/ 315.

(2) الظلال ج 4 ـ صـ 2441، ط الشروق، ط الرابعة، 1397 هـ، 1977 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت