فيكون فيه مشقة على النفس، فإذا أسبغ الإنسانُ وضوءه مع هذه المشقة، دل هذا على كمال الإيمان، فيرفع اللهُ بذلك درجاتِ العبد، ويحط عنه خطيئته).
وروى ابن سعد في (الطبقات الكبرى) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه وصى ابنه عبدالله رضي الله عنهما عند موته فقال له: (أي بني، عليك بخصال الإيمان) ، قال: وما هي؟ قال: (الصوم في شدة الحر أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك رَدْغَة الخبال ) ) ، قال: وما رَدْغة الخبال؟ قال: (شرب الخمر) .
ملاحظة هامة جدًّا: بيَّن الشيخ ابن عثيمين في شرحه (إسباغ الوضوء على المكاره) في كتابه شرح رياض الصالحين نقطة هامة فقال: (المهم أنه يتوضأ على كُرْه ومشقة، لكن بدون ضرر، أما مع الضرر فلا يتوضأ، بل يتيمم، هذا مما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات) .
فديننا دِين يسر لا عسر وشدة، فمن كان مريضًا لا يقوى على استعمال الماء البارد، واستعماله يُلحق به الضرر والأذى، ولا يستطيع تسخين الماء - يجوز له التيمم.
بعض الناس يتحرج من تسخين الماء للوضوء في الشتاء، ظانًّا أن الوضوء في الماء البارد مع تحمل شدة البرد أثوب وأفضل، وهذا الكلام غير صحيح، ولم يرد أي دليل شرعي في عدم جواز تسخين الماء للوضوء.
وقال الإمام الأُبِّي المالكي في كتابه إكمال إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم: (تسخين الماء لدفع برده ليتقوى على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذكور) ، يقصد الثواب المذكور في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ ) )قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (( إسباغ الوضوء على المكاره ... ) )؛ (رواه مسلم وأحمد والنسائي والترمذي) .
وبيَّن الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين نقطة هامة فقال: (أن يشق الإنسان على نفسه ويذهب يتوضأ بالماء البارد ويترك الساخن، أو يكون عنده ما يسخن به الماء، ويقول: أريد أن أتوضأ بالماء البارد؛ لأنال هذا الأجر، فهذا غير مشروع؛ لأن الله يقول: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] ، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا واقفًا في الشمس، قال:(( ما هذا؟ ) )، قالوا: نذر أن يقف في الشمس، فنهاه عن ذلك، وأمره أن يستظل؛ فالإنسان ليس مأمورًا ولا مندوبًا إلى أن يفعل ما يشق عليه ويضره، بل كلما سهلت