من لم يجد الماء، أو عجز عن استعماله لمرض أو شدة برد مع عدم القدرة على تسخينه، فإنه يغسل من بدنه ما يستطيع دون خوف ضرر، ويتيمم للباقي، وإن لم يستطع استعمال الماء بالكلية فيجوز له التيمم، وعليه فإن كان قادرًا على استعمال الماء البارد - ولو مع المشقة المحتملة - فلا يجوز التيمم، فيقول هنا ابن مسعود رضي الله عنه: (لو رخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا برد عليه الماء أن يتيمم ويدعه) ، ويقول عمر بن الخطاب: (أما أنَّا لو رخصنا لهم في هذا، لكان أحدهم إذا وجد برد الماء تيمم بالصعيد) ، وهذا يدلل على أنه حتى مع المشقة المحتملة في استعمال الماء البارد في الشتاء لا يجوز التيمم.
وإن كان قادرًا على تسخين الماء فلا يجوز التيمم، فيشترط لجواز التيمم بدل الغسل أو الوضوء في الشتاء عدم القدرة، والعجز عن استعمال الماء، وعدم القدرة على تسخينه، وأن يكون استعمال الماء البارد يوقع به الضرر والأذى.
قال الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه المغني: (وإن خاف من شدة البرد وأمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر، مثل أن يغسل عضوًا عضوًا كلما غسل شيئًا ستره لزمه ذلك، وإن لم يقدر تيمم وصلى في قول أكثر أهل العلم ... ولنا قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] ، وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، وروى أبو داود وأبو بكر الخلال بإسنادهما عن عمرو بن العاص قال:(احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلِكَ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو، أصليتَ بأصحابك وأنت جُنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله عز وجل يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ، فضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا) .
سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز؛ لأنه لا يقر على الخطأ، ولأنه خائف على نفسه، فأبيح له التيمم؛ كالجريح والمريض).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (التيمم جائز إذا عدم الماء وخاف المرض باستعماله، كما نبه الله تعالى على ذلك بذكر المريض، وذكر من لم يجد الماء، فمن كان الماء يضره بزيادة في مرضه لأجل جرح به أو مرض أو لخشية البرد ونحو ذلك، فإنه يتيمم، سواء كان جُنبًا أو محدِثًا، ويصلي ... ولا إعادة عليه إذا صلى، سواء كان في الحضر أو في السفر في أصح قولي