فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 167

رابعًا: العمل أو الدراسة لدى الكفار

قال ابن بطال في شرحه على ما بوَّب البخاري~ باب (هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟) وذكر فيه حديث خباب قال: «كُنْتُ قَيْنًا - أي حدادًا-، فَعَملتُ للْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِندَه، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لاَ، وَاللَّه لاَ أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَما وَاللَّه، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلاَ. قَالَ: وإِنِّي لَميت ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قَالَ: نَعَمْ .. الحديث» .

قال المهلب:"كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأن في ذلك ذلة للمسلمين، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر، ولا فيما لا يحل مثل عصر خمر، أو رعاية خنازير، أو عمل سلاح أو شبه ذلك، فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز، .... ألا ترى أن خبابًا عمل للعاص بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك".

قال المهلب:"كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين، أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، قال ابن المنير: استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة، ولا يعد ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله، وبطريق التبعية له. والله أعلم، والمقصود بالتبعية أن يكون ذليلًا عنده".

قال ابن قدامة:"فإما إن أجر نفسه منه في عمل معين في الذمة، كخياطة ثوب جاز بغير خلاف نعلمه، لأن عليًا أجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي@ بذلك فلم ينكره، وكذلك الأنصاري ولأنه عقد معاوضة لا يتضمن إذلال المسلم ولا استخدامه فأشبه مبايعته، فإن أجر نفسه منه لغير الخدمة مدة معلومة جاز"أ هـ

والخلاصة: أن إجارة المسلم نفسه للكافر ثلاثة أنواع:

إجارة على عمل في الذمة، فهذه جائزة، الثانية إجارة للخدمة، فهذه الصحيح فيها المنع؛ لأن إجارة الخدمة تتضمن حبس نفسه على خدمته مدة الإجارة، وذلك فيه نوع إذلال للمسلم وإهانة له تحت يد الكافر، فلم يجز كبيع العبد المسلم له، قال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141) (. الثالثة إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزة، كما حدث لخباب> مع العاص بن وائل وهو كافر، فقد عمل قينًا عنده كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت