قَالَ: (( إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) )قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الفُقَرَاءِ، وَفِي القُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ [1] .
والوقف معناه في الإصطلاح: كما قال الشيخ المرغيناني: (حبس العين على ملك الواقف، والتصرف بالمنفعة بمنزلة العارية) [2] . وقال القاضي أبي يوسف: (حبس العين على حكم ملك الله تعالى) [3] . وقال ابن قدامة: (الوقف معناه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وهو مستحب والأصل فيه السنة) [4] .
ومن خلال ما تقدم نستطيع أن نصل إلى أن الوقف هو: حبس الأصل وصرف ريعه وما نتج عنه إلى مستحقيه تقربًا إلى الله سبحانه، وحكمه مستحب.
فلا يحوز لمن ولي إدارة أوقاف المسلمين أن يتصرف بها بما يملي عليه هواه والشيطان، وأن لا يبذرها كيف ما شاء، ولا يتصرف بها لنفسه، أو يثري منها، فهذا حرام وأكل لمال المسلمين بالباطل.
الصورة الثانية والعشرون: التكسب الحرام من (جحد حقوق الناس) : وما لا تقوم به بينة من الأمانات عن أربابها أو عن ورثتهم، وسائر الأموال التي إذا جحدها، حكم بجحوده فيها؛ كالدين والودائع والعارية ونحوها. ومثل هذا كثيرًا ما يحدث اليوم في مجتمعنا، والأحوط والأسلم لحفظ الحقوق من الضياع هو إجراء الكتابة بين الطرفين، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} (البقرة: 282) .
(1) أخرجه البخاري 3/ 198 برقم (2737) ، ومسلم 3/ 1255 برقم 15 - (1632) ، وغيرهما.
(2) الوقف: للشيخ أحمد بدوي طولان ص 3 - 9. وتعرف (العارية) : على أنها إباحة المنافع بلا عوض، وحكم العارية في ذاتها من أعمال البر التي تقتضيا الإنسانية لأن الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم بعضًا فهي منودبة بحسب ذاتها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها على أنها داخلة في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر التقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} . انظر: الروضة الندية شرح الدرر البهية 2/ 147، والفقه على المذاهب الأربعة 3/ 238.
(3) الهداية شرح بداية المبتدئ: للشيخ الإسلام برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغيناني 3/ 13، ومجمع الأنهر 1/ 731.
(4) المغني - كتاب الوقف: لابن قدامة موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت 620 هـ) 6/ 185.