الصفحة 112 من 167

ومن صوره الامتناع عن تسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها، وكذا النفقة على من أوجب الشرع نفقته. فالمال الذي أبقاه ولم يؤد حقه فهو نار في بطنه، وحالة نفسية تؤرقه حتى يؤديها إلى أصحابها الشرعيين.

ومن صورها أيضًا خيانة الأمانة، لقول الله تعالى: {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأمانات إِلَى أَهْلِهَا} (النساء: 58) ، بل جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم من علامات النفاق الدالة على المنافقين، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( آيَةُ المنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) ) [1] .

ومن صورها أيضًا هي: (إنفاق المال في مباح مع ترك الواجب الذي عليه في ذلك المال) : كمن وجب عليه في ماله واجب شرعي أن يؤديه؛ ثم لا يؤديه يكون قد أكل ما ليس له، فهو عاصٍ لله، وآكِلٌ لمال حرام، كمن لا يعطي من ماله لقريب تجب نفقته عليه، أو يمتنع من إعطاء مريض لإنقاذه، حينما يكون المريض معرَّضًا للهلاك إن لم يعط هذا المال، أو يبخل بما وجب عليه من دفع مال للجهاد في سبيل الله، أو للإعداد للجهاد، عندما تكون الأمة محتاجة إلى ماله ومال أمثالِه، ولم يوجد من يتصدق، وليس للأمة والدولة دخل تقيم به الجهاد المفروض فرضًا عينيًا أو كفائيًا؛ ففي هذه الحالات وأمثالِها إذا أنفق الإنسان هذا المال الذي وجب عليه أن يتصدق به، إذا أنفقه على نفسه أو غيره في مباح؛ صار هذا المباح حرامًا، لأنه ضيع حق الله، وأكل مالًا وجب لله فيه حق. وحينما وجب لله حق في المال؛ فقد صار هذا المال لغير صاحبه، صار إلى من أوجب الله الإنفاق عليهم منه، ولم يعد مقدارُ هذا الحق لمالكه، ولا يباح له أن يستعمله وأن يأكله لنفسه كما يريد. قال تعالى: {هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الغَنِيُّ وَأَنتُمُ الفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38) . فالذي يرى في الأمة حاجة إلى إيجاد علماءَ ودعاةٍ، لتعليم الناس فرائض دينهم ولدعوةِ الكافرين إلى الإسلام دينِ الله الحق، ويجد غيره ممن يملك مالًا يمتنع من البذل فيه، وهو أيضًا لا يدفع من ماله الزائد عن حاجته في هذا؛ يكون قد أثم هو وكل قادر على الصدقة والبذل فيما وجب. وتجد مثل هذا الغني قد يبني قصرًا بمليون دينار، وهو لا يتصدق لتعليم الناس فرائضهم

(1) أخرجه البخاري 1/ 16 برقم (33) ، ومسلم 1/ 78 برقم 107 - (59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت