الصفحة 128 من 167

أما فتوى الإمام القرطبي (رحمه الله) فقد قال عند تفسيره لقوله تعالى: {فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة: 297) . ما نصه: (قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام، إن كانت ربًا، فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرًا، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك. وإن أخذ بظلم، فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر، ولم يدرِ كم الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له، فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه، فإن أحاطت المظالم بذمته، وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدًا لكثرته، فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع، إما إلى المساكين، وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين) [1] .

ثالثًا - فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية:

حيث أفتى:

1.بأن البغي والخمّار إذا تابوا، وكانوا فقراء، جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كانوا يقدرون على أن يتجروا أو يعملوا صنعة، كالنسج والغزل، أعطوا ما يكون لهم رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئًا ليكتسبوا به، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن [2] .

2.ويقول: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين، عند جماهير العلماء، كمالك وأحمد وغيرهما، فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواري أو ودائع أو هون، قد يئس من معرفة أصحابها، فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين، أو يسلمها إلى قاسم عادل، يصرفها في مصالح المسلمين المصالح الشرعية.

ومن الفقهاء من يقول: يتوقف أبدًا حتى يتبين أصحابها. والصواب الأول، فإن حبس المال دائمًا لمن لا يرجى، لا فائدة فيه، بل هو تعرض لهلاك المال واستيلاء الظلمة عليه، وكان عبد الله بن مسعود قد اشترى جارية، فدخل بيته ليأتي بالثمن، فخرج فلم يجد البائع، فجعل يطوف على المساكين ويتصدق عليهم بالثمن، ويقول: اللهم عن رب الجارية، فإن

(1) تفسير القرطبي 3/ 366.

(2) مجموع الفتاوى 29/ 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت